ويمكننا أن نلاحظ من كلامهما، أن الحكمة المشرقية فلسفة ذات اتجاه عقلي خالص، في سبيل بلوغ معرفة الإله والعالم، لا لمجرد المعرفة فحسب، بل طلبًا لفناء النفس في ذات الحق، حيث يغيب كل شيء عن ذات المريد، ولا يبقى إلا ذات الحق نفسه. ومعنى هذا، إن معرفة العالم عارضة، وإن غايتها الوصول إلى ذات الله، وإن السالك المريد لابد له أن ينساها حينما يصل إلى هذه الغاية.
ولكن ما معرفة العالم؟ لقد اقتصر صاحبا المقدمة على هذه الكلمة، وهي تلخص في الواقع أمورًا كثيرة. لهذا لابد لنا أن نتوقف هنيهة عند معناها، متكئين في ذلك على ما جاء في قصة حي بن يقظان ذاتها.
لقد وجدنا بعد إنعام النظر في القصة، أن واضعها يعتقد أن بإمكان الإنسان ذي الفطرة السليمة، أن يصل بقواه الذاتية، إلى معرفة قوانين العلم، ونظم العمل، ومبادئ الأخلاق، وحقيقة الإله وكيفية الاتصال به. لكن الأمرين الأولين: العلم والعمل ـ على ترابطهما ـ يعدان الطريق الموصل إلى الأمر الرابع، وأعني به معرفة حقيقة الإله وكيفية الاتصال به. أما الأمر الثالث: معرفة مبادئ الأخلاق، فقد بدأ عند حي على شكل شعور غامض، مالبث أن انتهى إلى أن يكون أمرًا مرتبطًا بذات الإله، وفائضًا عن حقيقته بالضرورة.