ولم يكد يتفوه ببعض الجمل القصيرة حتى تمثل بشعر آخر شديد الوقع: ... قد لفها الليل بسوّاقٍ حُطَمْ
هذا أوان الشد فاشتدي زيم
ليس براعي إبل ولا غنم ... ولا بجزار على ظهر وضم
قد لفها الليل بعصلبيّ أروع ... أروع خراج من الدويّ
مهاجر ليس بأعرابي
قد شمَّرتْ عن ساقها فشدوا ... وجدّت الحرب بكم فجدوا
والقوس فيها وتر عُردُّ ... مثل ذراع البكر أو أشد
لابد مما ليس منه بدّ
كل هذه الأبيات أمثال سائرة تقع مواقع القنابل في السمع. ثم يتابع خطبته بتعابير هي أيضًا أمثال ومجازات مركبة: إني والله يا أهل العراق ما يقعقع لي بالشنان ولا يغمز جانبي كتغماز التين. إلى آخر هذه الخطبة الملتهبة.
ولم يوجد قوم في تاريخ الحضارات عرفوا بالبلاغة كالعرب ولذلك كثر استعمال الأمثال وغيرها عندهم. بل إن بلغاءهم تجري كل فقرة من كلامهم مثلًا أو كالمثل.
هذا وربما قل استعمال الأمثال في العصر الحاضر، عصر السرعة والتغير الحثيث، عصر التشويش، عصر سرقة الأراضي من تحت أقدام أصحابها، عصر تخزين الأسلحة من كل صنف، عصر التقنيات الهائلة والأخطار الذرية والهدروجينية الماثلة التي تتهدد كيان هذا الكوكب الجميل الذي تعيش عليه الإنسانية المعذبة والذي ظل أبناؤها طوال القرون الطويلة الماضية يتنادمون على سطحه بالشعر والأمثال والأغنيات الحلوة والحب المبدع.