وتتصل قيمة التاريخ عند الحافظ ابن عساكر اتصالًا وثيقًا بالحديث. وهو أمر يعكس مفهومه وفلسفته في الدراسة والعطاء، فالتاريخ عنده ليس أكثر من معين لمعرفة صحيح الحديث من سقيمه في أغلب الأحيان، لذلك وجدناه يعنى بالتراحم عناية فائقة ويؤثر المحدثين من المترجمين على من سواهم في كتبه ولاسيما في تاريخه العظيم لمدينة دمشق.
وقد استعمل الحافظ مناهج البحث عند المحدثين في عرض الروايات التاريخية، فاستعمل الأسناد بشكل كبير في كتبه ولاسيما تاريخ دمشق. وبعد استعمال الأسانيد عند أهل الحديث من أدق طرق ذكر المصادر، فبقدر ما نعجب اليوم بالحواشي المرصوصة في البحوث الحديثة، كانت الأسانيد عند أسلافنا هي هذه الحواشي المرصوصة بل أكثر دقة والتزامًا.
كما يتضح أثر الحديث في صياغته للترجمة ونوعية المادة التي يوردها فيها: من اسم، ونسبة، ومولد، ووفاة، وشيوخ، وتلاميذ، وتقويم وأحكام، وهو الإطار الذي وضعه المحدثون، وهو أحدهم، لعناصر الترجمة التي انتقلته منهم إلى غيرهم من المعنيين بالتراجم (72) .
ويذكر ابن خلكان أن ابن عساكر ألفّ تاريخه لدمشق على نسق تاريخ بغداد للخطيب. ومع أننا لا نريد أن نعقد مقارنة بين الكتابين لنرى مصداق هذا القول، كما لا نريد الدخول في البحث عن أول من ألف تاريخًا تراجميًا لمدينة على نسق الخطيب ممن سبقه لكن علينا ملاحظة جملة أمور من أبرزها:
1-أن ابن عساكر سافر إلى بغداد وهو في الحادية والعشرين من عمره ولم يكن قد بدأ بجمع مادة تاريخ دمشق جمعًا منظمًا يهدف إلى تأليف كتاب عن مدينته.
إن كتاب الخطيب كان كتابًا مرموقًا عند المحدثين والمعنيين بالرواية، فعلى الرغم من ضخامته كان يروى في المجالس ويسمعه الطلبة على الشيوخ، وقد رأينا بعض ذلك عن كلامنا على شيوخ ابن عساكر البارزين من أهل بغداد واهتمامهم بهذا الكتاب.