فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 23694

وصل ابن عساكر إلى بغداد وهو في مطلع شبابه: في الحادية والعشرين من عمره وبقي فيها قرابة الخمس سنوات لم ينقطع فيها عن التحصيل والدرس. وهذه الفترة، في رأينا، هي التي أثرت تأثيرًا عظيمًا في تكوينه الفكري وطبعته بطابع أهل بغداد المحبين للحديث وروايته ودراسته حبًا شغلهم عن كثير من العلوم الأخرى. وفي بغداد كانت المشارب التي أخذ عنها أبو القاسم متنوعة التنوع كله، ففي شيوخه أشاعرة وسلفية منهم المرن وفهم المتعصب لعقيدته، وهو لم يترك أحدًا استطاع مجالسته والسماع عليه والأخذ عنه، فعلى الرغم من أشعريته التي ورثها عن عائلته، ودفاعه عن الأشاعرة والذب عنهم ما استطاع إلى ذلك سبيلًا (كما يتضح من كتاب التبيين) فإنه ما كان ليحجم عن الأخذ من شيوخ كانوا يعادون الأشاعرة، فقد أخذ مثلًا لا حصرًا، عن القاضي أبي الحسين محمد ابن القاضي أبي يعلى محمد ابن الفراء الحنبلي البغدادي المتوفى سنة 526هـ صاحب طبقات الحنابلة البغدادي وقد قال فيه السلفي الحافظ:"كان أبو الحسين متعصبًا لمذهبه وكان كثيرًا ما يتكلم في الأشاعرة ويقول فيهم وبسمعتهم" (71) .

وبسبب اتصال الحافظ أبي القاسم بشيوخ من مشارب مذهبية وعقادية متنوعة وحبه واحترامه لهم، وجدناه ينشأ على غاية من النزاهة عن التعصب الذي عرف به كثير من الأشاعرة وخصومهم. ولم يكن تحقيق تلك النزاهة والمرونة في تلك الأعصر من الأمور الهينة والبيئة الدمشقية والبغدادية آنذاك مشحونة بها.

وعلى الرغم من أشعرية الحافظ ابن عساكر فقد اتصل اتصالًا هائلًا بالحديث والمحدثين يذكرنا باتصال الحنابلة به، فقد أفنى عمره في سماع الحديث وروايته، وألف معظم كتبه في هذا المجال الذي أخذ بجماع نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت