لقد لجأت بعض الشعوب القديمة، منذ فجر التاريخ، إلى ما يسمى بسموم التجربة Poisons depreuve، وهي مواد مؤذية كانت تعطى كل من يشتبه بارتكابه جرمًا يستحق عليه عقاب الموت، فإذا نجا من أذاها اعتبر بريئًا، ومن قضي عليه عد مجرمًا واستحق عقابه. وقد تحولت سموم التجربة، عند بعض الشعوب، إلى سموم قضائية Poisons judiciairos، يجبر على تناولها المذنب، وذلك كما تم للفيلسوف سقراط (2) ، الذي حكمت عليه مدينة أثينا بالموت، فأجبر على تناول منقوع الشوكران السام فمات.
علم السموم قبل اليونان:
مما لا شك فيه أن معرفة التأثير الدوائي والسام للنباتات الطبية كان يعتبر من أهم أقسام علم الطب. وقد تجمعت المعلومات الأساسية في العقاقير والنباتات السامة طيلة قرون عديدة على يد الكهنة والسحرة وجامعي الأعشاب وحكماء وشيوخ القبائل. ولما قامت الصناعات المعدنية المختلفة، منذ عصر البرونز وما بعده، تعرف الإنسان مجموعة كبيرة من المواد السامة وقد استعملها في تحضير الزجاج والخزف والصابون، أو صبغ بها الشعر والألياف والأنسجة، كما اهتدى أيضًا إلى بعض المركبات السامة الأخرى أثناء صنعه للأسلحة والأدوات النحاسية والرصاصية والحديدية.
ويقول ابن أبي أصيبعة"وممن اشتهر بالسموم (هرمس الثالث) فإنه سكن مدينة مصر وكان بعد الطوفان. وهو صاحب كتاب الحيوانات ذوات السموم. وكان طبيبًا فيلسوفًا عالمًا بطبائع الأدوية القتالة والحيوانات المؤذية. وكان جوالًا في البلاد طوافًا بها، عالمًا بالمدائن، وطبائعها وطبائع أهلها. وله كلام حسن في صناعة الكيمياء نقتبس منه ما يتعلق بصناعات كثيرة كالزجاج والخرز والغضار وما أشبه ذلك. وكان له تلميذ يعرف باسقلبيوس وكان مسكنه بأرض الشام".