إضافة إلى تفشي ظاهرة الأدعية وكتابة"الحجاب"وبعض الأشكال شبه السحرية في كتب الطب. حتى أصبح الطبيب في هذا العصر نوعًا من"الطبيب الكاهن"الذي نعرفه في العصور البدائية لتطور الطب قبل عصر التدوين.
إن مجرد عودة سريعة إلى المراجع المتوفرة بين أيدينا. تثبت لنا فقر مكتبة المراجع العربية إلى كتاب شبيه بكتاب ابن أبي أصيبعة. وأن عدم توفر مثل هذا الكتاب بين كتب التراجم المتأخرة يجعل مهمة الباحث في غاية الصعوبة.. إذا ما قورنت بمهمة الباحث في العصور التي أرخ لها ولأطبائها ابن أبي أصيبعة العظيم.
إن انحسار ممارسة مهنة الطب وغياب المدارس الكبرى التي عرفناها في العصرين المملوكي والأيوبي، وقلة عدد المؤلفات الطبية وتضاؤل عدد الأعشاب المستعملة في المعالجة الطبية، توحي فعلًا بأن عصور انحطاط الطب قد بدأت في حوالي نهاية القرن الثالث عشر.. وتضعنا أمام السؤال التالي..
هل كان ابن النفيس هو آخر أعلام عصر الطب الذهبي العربي؟ وهل كانت مشافي القاهرة هي آخر المدارس الطبية الكبرى التي خلفت لنا تراثًا مكتوبًا؟
إننا لو عدنا إلى ما يسمى الآن بالطب الشعبي.. لنرى مدى تأثره بالمؤلفات الطبية والوصفات المنتشرة بين أيدي العاملين في هذا الحقل.. وبحثنا عن أصلها وحاولنا أن نعرف مصدرها.. أمن كتب عصر الازدهار هي أم من الكتب المتأخرة؟ لفوجئنا بالنفوذ الكبير الذي تتمتع به تذكرة داود الأنطاكي على الوصفات والعقاقير المستعملة في الطب الشعبي اليوم.
ولكن الدراسة الأدق لا تلبث أن تكشف لنا أن عقاقير القرن السادس عشر ليس فيها جديد بالنسبة إلى العقاقير المستعملة منذ القرن الحادي عشر.
فلماذا إذن انتشرت تذكرة داود؟ أيعود ذلك إلى تأخر عهدها؟ أم إلى كونها مختصرة؟ أم إلى غياب الكتب الكبرى التي أخذ عنها داود بسبب صعوبة استنساخها أو ضياعها بعد عصر حريق مكتبة بغداد.. واضطراب الظروف السياسية والاجتماعية؟