إن طريق دراسة طب العيون عند العرب أصبحت ممهدة بفضل العمل العظيم الذي قام به هيرستبرغ والذي يبدو حتى الآن فريدًا من نوعه في تاريخ الطب. هذا العمل الذي مكن مايرهوف ثم سباط وكيندي وود من إنجاز أعمالهم التي يمكن اعتبارها تكميلية.. في هذا الحقل. وعلى هذا فإن المعلومات المتوفرة لدينا تشير إلى انقطاع التأليف في هذا الحقل في القرن السادس عشر واقتصار ممارسة طب العيون على الأطباء غير المتخصصين على نقيض ما كان عليه الأمر في عصور ازدهار الطب العربي بل منذ البداية.
كذلك فإن ممارسة جراحة الكسور (التجبير) قد توقف تطورها واقتصرت رغم انتشارها الواسع في أوساط معينة وأسر طبية توارثت ممارسة هذه المهنة والاحتفاظ بسرها فعادت مهنة الطب القهقرى. وغاب الأساتذة الكبار الذين كنا نراهم حتى عصر ابن النفيس في البيمارستانات يدرسون تلامذتهم ويشرفون على معالجتهم للمرضى.
وكذلك فإن تجارة الأدوية والأعشاب المستعملة في الطب قد اقتصرت على شكل بسيط من أشكال"العطارة"مشيرة إلى توقف تطور علم الصيدلة الذي انفصل عن علم الطب وتطور تطورًا باهرًا على أيدي العرب في عصر الازدهار.
إن السادة المؤرخين مطالبون بتفسير هذه الظواهر.. وبالبحث عما إذا كانت الظواهر نفسها مرئية في تطور العلوم الأخرى في هذا العصر.
وإن غياب هذه المدارس وانحسار المهنة أزال ظاهرة"تجانس المعرفة"الطبية على طول البلاد وعرضها.. كما كان عليه الأمر في عصر الازدهار.. فإن العقار الذي يوصف في منطقة من بلاد الشام لا يوصف في غيرها..
ويبدو لي أن هذه الظاهرة لم يستفحل أمرها في بعض المناطق.. بسبب توفر المراجع المكتوبة..
فنحن إذن أمام ظاهرة"التراث المنحط"بأجلى معانيها.
وعلى كل حال فإنه يخيل إلي.. أنه يتعذر علينا أن نتحدث عن"طب شعبي عربي"بل يجب أن نتحدث عن"تراث طبي منحط".