يقول:"ومن عجيب ما بلغني من أفعال النغم وحسن تأثيرها في النفوس، ومزاولتها لعظيم الأعمال، ومعاونة الطباع على نفسها، وإزالتها عن النفوس والأجساد أنه كان في جوار يعقوب ابن اسحق الكندي، رجل من كبار التجار، موسع عليه في تجارته، وكان له ابن قد كفاه أمر بيعه وشرابه، وضبط دخله وخرجه. وقد كان ذلك التاجر كثير الإزراء على الكندي، والطعن عليه، مدمنًا لتكفيره والإغراء به. فعرض لابنه سكتة فجأة، فورد عليه من ذلك ما أذهله، وأقطعه، وبقي حائرًا لا يدري ما الذي له في أيدي الناس، وما لهم عليه، مع ما دخله من الجزع على ابنه، ولم يدع بمدينة السلام طبيبًا إلا ركب إليه، لينظر إليه ويشير عليه في أمره بعلاج، فلم يجبه كثير من الأطباء لكبر العلة وخطرها، فلم يجد عنده كبير غنى."
فقيل له: أنت في جوار فيلسوف زمانه، وأعلم الناس بعلاج مثل هذه العلة، فلو قصدته لوجدت عنده ما ترغب. فدعته الضرورة إلى أن يحمل على الكندي من إخوانه بمن يثقل عليه فاجابه وصار معه إلى منزله فلما رأى ابنه محبته. أمر بأن يحضر إليه من تلاميذه في علم الموسيقى ممن قد أنعم الحذق بضرب العود، وعرف الطرائق المحزنة والمفرحة، والمقوية للقلوب والنفوس، فحضر إليه منهم أربعة، فأمرهم أن يديموا الضرب عند رأسه، وأن يأخذوا في طرائق وقفهم عليها وأراهم مواقع النغم بها من وضعهم أصابعهم على الدساتير ونقلها.
فلم يزالوا يضربون في تلك الطرائق. والكندي آخذ محبة الغلام، وهو في ذلك يمتد نفسه ويقوى نبضه وترجع إليه نفسه شيئًا بعد شيء إلى أن تحرك وجلس وتكلم وأولئك يضربون في تلك الطريقة دائمًا لا يفترون"."
المصادر
(1) -ابن سينا: القانون- طبعة بولاق- أوفست بغداد- ج: 2.
(2) -داود الأنطاكي: النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان وتعديل الأمزجة- مطبوع على هامش كتاب: تذكرة أولي الألباب، والجامع للعجب العجاب- مكتبة ومطبعة محمد علي صبيح وأولاده- مصر- 1282هـ. البحث السابع ج2- ص: 11.