وكثيرًا ما ترد في الكتب العربية القديمة4 أثناء الحفلات الموسيقية أن أحد الحاضرين أخذ يبكي، ويمزق ثيابه، ويحثو التراب على رأسه، ويقوم بأفعال غير طبيعية.
وما ذكرناه يؤكد القصة التي تروى عن الفارابي والتي قد تبدو بادئ الأمر ضربًا من المبالغة، أو حتى الخرافة. وفحواها أن المعلم الثاني دخل على بلاط سيف الدولة. فأخرج آلة موسيقية فضرب على عيدانها فضحك كل من كان في المجلس، ثم ضرب عليها مرة أخرى فبكوا، ومرة ثالثة فناموا فتركهم ومضى.
ولقد استفاد العرب من هذه النظريات ومن هذه الدراسات، فطبقوها في مجال التطبيب النفساني.
فقد اعترف العالم للعرب بأنهم أول من اعتنى بالمصابين بالأمراض العقلية. على حين ظل المداوون في أوروبا يضربون بالسياط، ويربطون بالسلاسل الحديدية، ويلقون في الأقبية والمغارات ولم تتحسن أحوالهم حتى زمان الطبيب فيليب بينل (1745-1826م) الذي حرر المجانين، وفك إسارهم، وذلك في القرن الثامن عشر.
وعندما كنت طالبًا في جامعة باريس أرتاد مستشفى السالبتريبر، كان في صدر قاعة المحاضرات لوحة ضخمة جدًا تمثل المجانين راقدين في السلاسل والطبيب بينل يحررهم وإحدى المريضات جاثية على قدميها تقبل يديه اعترافًا بالجميل.
لقد تميز الطب العربي بإنسانيته فهو أول من اعتنى بالمجانين، ونظر إليهم نظره إلى المرضى، لا إلى أناس قد تقمصتهم الشياطين والأبالسة.
بل قد بنيت لهم مشافٍ خاصة للاعتناء بهم من قبل أطباء تميزوا بالخبرة والعلم والرحمة.
ومن جملة المعالجات كانت المعالجة بالموسيقى.
وبالطبع فإن الأمر بالنسبة للأوروبي يبدو غريبًا: فكيف يعالج مجنون بموسيقى عقلانية. كالموسيقى الأوروبية المسماة خطأ عالمية؟..
والواقع أن الموسيقى العربية كما شرحنا مختلفة تمامًا.
وأذكر القصة التالية للمثل وليس للحصر. وهي مذكورة في كتاب محمد بن أحمد التميمي المقدسي"مادة البقاء، في دفع ضرر الهواء، والتحرز من الوباء".