فهرس الكتاب

الصفحة 3424 من 23694

ولكننا نؤثر أن نسقط هذه المشكلة عن النظر والاعتبار. إذ هي مشكلة نظرية واعتبارية مجردة، لا سلطان لها إلا في نطاق الأخيلة والمحاكمة الفكرية المجردة، أما على صعيد الواقع المحسوس فإنها تنحسر نهائيًا.. إذ الحرية شعور ثابت لا مجال للامتراء به، قبل أن يكون فكرة ذات ضوابط وحدود.. وعجز الفكر عن تحديدها لا يلحق أي شك في وجودها.

غير أن المشكلة الحقيقية التي تنعكس على الواقع.. الواقع الفردي والاجتماعي، هي مشكلة البحث في جواب علمي سليم عن السؤال التالي: كيف أُوفق بين حريتي الذاتية، من جهة، وكل من الضرورات القائمة والقيم المرعية والانضباط بأنظمة الدولة ومقتضيات القانون، من جهة أخرى؟.. بل إن جزءًا كبيرًا من تلك الحيرة في فهم معنى الحرية وضبطها، ليس إلاَّ واحدًا من آثار العجز عن التوفيق بين هذا التعارض الذي ألمحنا إليه.

ولنستعرض الآن موجزًا من مظاهر الاضطراب والحيرة الناتجين عن هذا العجز، لدى الفلاسفة قديمًا وحديثًا.

آثرت طائفة كبيرة من الفلاسفة الاهتمام بالشعور الداخلي للإنسان، والذي يلح على إثبات حقيقة أنه مفطور على أن لا ينصاع إلا لرغبته الذاتية وإرادته الطليقة من كل قيد، وأُهملت في سبيل ذلك النظر فيما يسمى بالضرورات القائمة في وجه هذه الرغبة. وأصرّت على أن لا ضرورة في هذه الحياة أسمى من أن يحقق الفرد لنفسه سعادته الشخصية الخاصة به، لا كما يريدها فقط، بل كما يحبها ويهواها أيضًا. وكأن لسان حال هذا الفريق يغري الإنسان أن يبذل قصارى جهده في تحطيم سدود الضرورات التي تقف أمامه بكل ما يمكنه من جهد، ودون النظر إلى الأضرار التي قد تنتج عن ذلك. فإنها -من وجهة نظرهم- مهما كانت أضرارًا جسيمة، لن تكون أكثر جسامة من ضرر ذبول الحرية الإنسانية داخل كيان الإنسان. ومن أقدم فلاسفة هذه الطائفة أبيقور (230 ت ق.م) ويؤيده من فلاسفة العصر الحديث الفيلسوف الإنكليزي هوبز (1679 ت) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت