فهرس الكتاب

الصفحة 3425 من 23694

ولعلنا لا نخطئ إن قلنا أن هذا المذهب يشكّل النواة الخفية الأولى للمذهب الوجودي الذي لا يقيم وزنًا لما وراء الوجود الفردي للإنسان، والمتمثل في الذات التي لا تنبثق بتمامها وكمالها إلا من الممارسة الفعلية لكامل حريتها المطلقة.

وآثرت طائفة أخرى المثول بخضوع واستسلام أمام الضرورات الكونية التي تترسخ جذورها في داخل النفس الإنسانية، ثم تنتشر فروعها وأغصانها بمظاهر شتى في المجتمعات الإنسانية على اختلافها. قالوا: فإذا كانت الضرورات الماثلة أمامنا تتصل بجذور راسخة في أعماق نفوسنا، فإن إرادتنا الذاتية ما ينبغي أن تكون متشاكسة مع مقتضيات تلك الجذور الراسخة، ولا يمكن إلا أن تحصر الإرادة نشاطاتها في ظلال تلك الشجرة الثابتة الضاربة بجذورها في أغوار النفس. ومن أقدم من نادى بهذا الرأي الفيلسوف اليوناني سقراط (396 ق.م) وتلميذه الوفيّ أفلاطون (248 ق.م) وثلة من الفلاسفة الرواقيين الذين جاؤوا من بعدهم، وقد بالغ بعض أتباع هذا المذهب، حتى انجرفوا في وهم أن الحرية كلمة لا طائل تحتها ولا مضمون لها، وأن الإنسان مسوق في جميع تصرفاته وأفكاره تحت سلطان أنظمة صارمة لا مفرّ منها. وليس هذا الذي يشعر به الإنسان مما يسمى إرادة أو اختيارًا إلا جزءًا من هذا النظام الصارم ذاته، وإنما صاحب الحرية الوحيد في الكون هو الله عز وجل. وقد قلنا إن ممن ذهب إلى هذا الرأي سبينوزا وليبنتس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت