فهرس الكتاب

الصفحة 3423 من 23694

وهو يتصادم ثانيًا مع القيم، على اختلاف الناس في فهم جوهرها وموازينها، فإن مصدرها - مهما اختلفت وتطورت - ثابت لا يتبدل، ألا وهو الوضع الاجتماعي الذي لا بد أن ينضوي تحته الإنسان.

وهو يتصادم ثالثًا مع أنظمة الحكم وسياسة الدولة، أيًَّا كان شكل هذا الحكم، وأيًَّا كان المذهب السياسي المتبع، إذ هي لا يمكن أن تنهض إلا على نوع من الضبط والتقييد.

فهذه المقابلات المتعارضة المتقاومة، هي لبُّ المشكلة التي وقف عندها الفلاسفة قديمًا وحديثًا. ثم لم يجدوا سبيلًا إلى حلها أو اجتيازها. وما تدور بحوثهم ومسائلهم عند الحديث عن الحرية إلا على محور هذه المشكلة، وما تفرّقوا أوزاعًا وتشتتوا بين الفرضيات والآراء المتنافرة في شأنها، إلا أملًا في العثور على حل يكمن هنا أو هناك.

قد يقول بعض الدارسين، أن السعي إلى فهم معنى"الحرية"بحد ذاتها، يصطدم بمشكلة أسبق ومعضلة أكبر. إذ ضلّت تحليلات الفلاسفة بين احتمالات كثيرة شتى للمعنى المراد بالحرية.. ترى المقصود بها حرية التنفيذ الفعلي، أي دون قسر من أي قوة باطنية كالأهواء والعواطف.. ثم هل المقصود بها ما يأتي من التصرفات والأفعال بسائق الإرادة المطلقة، أم بما هو أخص من ذلك، وهو عامل المحبة والرضا؟.. وهل ينبغي أن تكمن خلف سلطان الحرية باعث يوجهه ويختار له، أم أن الحرية هي تلك التي تكون طليقة من قيد أي باعث؟ ولا بد أن يقال عندئذ: ولكن فما الفرق إذن، بين الحرية والعبث، وهل بمقدور الإنسان المفكر العاقل أن يتمتع بحرية لا باعث لها؟.. ولقد انتهى بعضهم من ملاحقة هذه التصورات والتأمل إلى الاقتناع بأن الحرية وهم باطل وسراب لا وجود له، من هؤلاء ليبنتس Leibniz وسبنيوزا، وكثير من الفلاسفة الرواقيين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت