فهرس الكتاب

الصفحة 3422 من 23694

وإذا تبين لنا أن كل ما خلَّفه الجهد الفلسفي، قديمًا وحديثًا، من مذاهب وآراء عن حرية الإنسان وما يكتنفها من ملابسات ويقف في طريقها من عقبات، ليس إلا تعبيرًا واضحًا عن المشكلة التي استعصت على الحل، وليس بحال من الأحوال كشفًا عن أي خافية فيها ووصولًا إلى أي حقيقة علمية عنها - أقول: إذا تبين لنا ذلك، نكون قد تجاوزنا نصف الطريق إلى بلوغ الحل الصحيح لهذه المعضلة، لأن معرفة المشكلة (أي إدراك أنها مشكلة) تساوي كما يقولون اجتياز نصف الطريق إلى حلها.

ويحين لنا عندئذٍ أن نصغي إلى الحل الذي تقدم إلينا به الإسلام، ذلك الحل الذي يشعر به المسلم الذي وعى إسلامه، في سلوكه وممارسته العملية للحياة، ولكن قلّما يلتفت إليه أولئك الذين يأملون أن يصلوا إلى الحل العلمي والواقعي، من خلال الإصغاء إلى آراء الفلاسفة وعلماء النفس والأخلاق.

ونبدأ الآن فنسأل:

أين تكمن المشكلة التي أعجزت الفلاسفة أن يتفقوا على مذهب في تفسير حقيقة الحرية، وفي توضيح سبيلها العملي أمام الناس؟

تكمن هذه المشكلة فيما يلي: على الرغم من أن جميع الفلاسفة اتفقوا على أن الرغبة في (اللا قيد) حيال اختيارات الإنسان، بصدد سلوكه الظاهري ونشاطاته الفكرية والباطنية، شعور أصيل في كيانه ومطلب أساسي في حياته، فإنهم رأوا أن هذا الشعور يتصادم هو وعدة حقائق ثابتة، لا مفرّ من الاعتراف بها ولا جدوى من إنكارها، ثم إنهم لم يهتدوا إلى سبيل سليم لإقامة توازن متكافئ بين هذا الشعور الأصيل الذي لا ينكر، وتلك الحقائق التي لا مفرّ منها.

فهو يتصادم أولًا هو وما يسمونه بالضرورة أو الحتمية، سواء ما كان منها داخليًا يشعر به الإنسان في أعماق كيانه، وما كان منها خارجيًا يتمثل في قوانين الطبيعة وأحكامها الثابتة الصارمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت