والذي يعنيني من إبراز هذه المشكلة، هو أن نعوّد أنفسنا، إذا أقبلنا على دراسة موضوع ما، في فن من الفنون، لا سيّما الفلسفة، أن نحاذر جيدًا، من أن نضلّ في شعب الكلام ووراء متاهاته، بحيث ننسى حجم المسألة وإطارها الذاتي، فإن من استدرجتَه تعاريج الجزئيات، حتى خاض في تشقيقات الكلام، واستغرق في متابعة التحليلات المتعارضة، خليق به (في غمرة شتاته الذهني) أن يتوهم الاضطراب الحائر في جنبات البحث تعمقًا منهجيًا في لبه وجوهره. فلا يعود من كل ما قرأه وتأمله إلا بالدهشة والانبهار، من جرّاء ذلك التحليل الذي أسلمه إلى أشتات من الفرضيات التي نبهته بدورها إلى أنواع من المشكلات!.. ولعلّ مثل هذا الباحث يمضي وقد اقتنع من الفهم السليم بتلك الدهشة التي بهرته، واطمأن إلى أنه قد وقع على كلام علمي عجيب، لا بدّ أنه الحق الذي يجب المصير إليه، وأنها الحقيقة الراسخة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها!..
وإنما العاصم من الوقوع في فلك هذا الاستدراج والضياع ثم الانبهار، أن يبقى الباحث المتأمل متذكرًا ومتصورًا حجم المسألة التي يعكف على دراستها، أي حقيقتها الكلية وإطارها الشامل الذي يفصلها عن كل ما قد يلتبس بها. فعندئذ لا يعجز الباحث الواعي عن التنبه إلى الفرق بين طبيعة التحليل العلمي الذي يدنو بصاحبه شيئًا فشيئًا إلى كشف خوافِي المسألة وحل معضلاتها، وطبيعة الحيرة في موضوع مغلق الأطراف، تطوف من حوله -إلى غير ما نهاية - الفروض والاحتمالات