مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد:13و14 - السنة الرابعة - محرم وربيع الثاني 1404 تشرين الأول"اكتوبر"و كانون الثاني"يناير"1984
فهرس العدد
مُشكِلة الحُريّة بَين المذاهبْ الفلسفية والموقف الإسلامي ـــ د.محمد سعيد رمضان البوطي
مشكلة حرية الإنسان، من أهم المشكلات التي عالجها علماء الفلسفة والأخلاق، قديمًا وحديثًا. ولا ريب أن من أهم العوامل التي أضفت الأهمية على هذه المسألة، شدة صلتها بحياة الإنسان الفردية والاجتماعية.
كما أن مسألة الحرية هذه، بقيت، على الرغم من شدة اهتمام الفلاسفة بها، وكثرة معالجتهم لها، أكبر معضلة تأبت على كل الحلول والاقتراحات التي تطارحها الفلاسفة، في مختلف عصورهم، وعلى تنوع مذاهبهم واتجاهاتهم!.
لقد بقيت آراؤهم واقتراحاتهم بصددها معزولة ومحصورة على صعيد الأقوال وفي بطون الكتب، وظل واقع المجتمعات الإنسانية بعيدًا عنها، غير عابئ بها، حيث سارت الحرية الإنسانية متلونة ومتأثرة بأسباب وعوامل أخرى، كانت في كثير من الأحيان عوامل عشوائية كيفية، لم تنسقها أي إرادة واعية طبق منهج أو قرار مدروس.
ولست الآن بصدد عرض مذاهب الفلاسفة وصراعاتهم، حول تحديد معنى الحرية الإنسانية وعلاقتها بالسلوك الإنساني، وبيان مواقفهم المضطربة من نقيضها الذي ما زال يتربص بجوهرها، وينتقص من أطرافها وهو الذي يسمونه الضرورة أو الحتمية، بكلا قسميها: الداخلية، والخارجية.. أقول: لست الآن معنيًا بعرض شيء من هذا كله. فهو لا يمت إلى الهدف الذي أقمت هذا البحث على محوره بأي سبيل.
وإنما المهم في هذا المقام، أن نتبين المشكلة التي إليها مرد اضطراب الفلاسفة في هذا البحث، والمعضلة التي هي سر عجز المجتمعات الإنسانية عن العثور على أي ثمرة أو حصيلة للكلام الطويل الذي أنشأه، والجدل المتشعب الذي خاضوا غماره، خلال قرون متطاولة امتدت إلى هذا العصر.