أما ما كان يساور الإمام الطبري من الخشية من الابتداع في الدين، جرّاء الاجتهاد بالرأي، فذلك هو الرأي المجرّد المغرض المذموم شرعًا باتفاق الأئمة، بل المحرّم تحريم الكبائر -كما أسلفنا- وليس البحث فيه، لأنا اشترطنا أن يكون الرأي علميًا موضوعيًا ناشئًا عن الحجة والبرهان القويّ، وكررنا الإشارة إلى أن اجتهاد الصحابي لا يعفي من النظر في الدليل، وبديهي أن لا ابتداع حيث الحجة والبرهان القوي، لأن الابتداع قوامه التقول، والاختلاق، وإنشاء قواعد ومفاهيم مبتدأة لم يأذن بها الله، وهو افتئات على حق الله في بيِّنات هداه وتشريعه، مما يستوجب أن يتبوأ صاحبه مقعده من النار، بمنطوق الحديث الذي روينا، لأنه خروج عن مفاهيم الإسلام، جملةً وتفصيلًا، وهذا لا يقول به أحد، فضلًا عن العلماء، بل يفقد التفسير معناه ووظيفته إذا سلك هذا السبيل، لما ينبغي أن يكون عليه التفسير من المطابقة للمفسَّر، وأن يلتزم المبيِّن حدود المبيَّن، ابتغاء الدقة في تحري معناه المراد، قدر الطاقة، غير مخالف ولا مناقض، ولا متنقصٍ من معناه شيئًا، وإلا كان تقولًا وافتراء على الله الكَذَب (إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون(.
هذا فضلًا عمّا قدمنا، ما للظروف المتغايرة من أثر في تكييف الوقائع المستجدة التي تستوجب إعمال الرأي في التطبيق، على مرّ العصور.
على أنّا قد أشرنا إلى أن مقام الصحبة أمر عظيم، يوجب الاقتداء بهم في مسلكهم، لأخذهم أنفسهم بتعاليم الكتاب والسنة، غير أن هذا لا يستلزم العصمة في الاجتهاد، أو الارتقاء إلى مستوى النبوة، لعموم الأدلة الدالة في مجتَهد الأول، لوجوب أن يلتزم كلُّ بما انتهى إليه هو من رأي إجماعًا، كما أسلفنا، ولإقرارهم على أنفسهم باحتمال الخطأ في اجتهادهم، كما رأيت.
هذا، وبالله التوفيق
الدكتور فتحي الدريني
رئيس قسم العقائد والأديان
في كلية الشريعة - جامعة دمشق
-للبحث صلة-
الحواشي: