هذا، وما كان للإمام الشافعي أن يصدر عنه مثل هذا القول بالنسبة إلى الصحابة ومن بعدهم -وهو من يقدرهم قدرهم، ويقتفي أثر بعضهم في سنتهم- لولا أنه يرى أن له حقًا في الاجتهاد فيما اجتهد فيه السلف الصالح أنفسهم-إذ ليس في الكتاب والسنة ما يدل على أن باب الاجتهاد قد أوصد من دون المتمكنين من الاجتهاد، وأهله، أو أن الإسلام قد حجر يومًا على العقل العلمي أن يفكر، ويبحث، ويجتهد، بل الأدلة متضافرة وناهضة على العكس من ذلك تمامًا، وبإطلاق، كما قدمنا، بل لم يجعل الإسلام- كما يقول الإمام الشافعي- رضي الله عنه - لأحد من بعده ( أن يفسر أو يجتهد دون استدلال أيًَّا كان وحتى رسول الله( لا تجد فيما سنّ مما ليس فيه بعينه نصٌ من الكتاب، إلاَّ ويرتدُّ إلى أصل فيه، وصادر عنه، إذ لا يعقل أن يخالف الرسول ربه: (ولو تقوَّل علينا بعض الأقاويل، لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا من الوتين (( 176) وفي هذا المعنى يقول الإمام الشافعي:"وسنَّ رسول الله ( فيما ليس فيه بعينه نص كتاب(177) .. ولم يُسنّ سنة قط، إلا ولها أصل في الكتاب (178) ".