مسبقة من قِبَل من ينتمون إلى الفرق الدينية أو السياسية المتصارعة، آنذاك، مما أشار إليه هو في كثير من المناسبات، وسقنا أمثلة لذلك آنفًا، في مواقع تفسيره لبعض الآيات، مشددًا النكير على ذوي هذا اللون من الاجتهاد الذي اعتبره منشأ الابتداع في الدين، مما يوحي أيضًا بأن موقفه هذا كان بمثابة سد لذريعة التقوُّل على الله تعالى، بالرأي المغرض، والاجتهاد المفتعل الملفق غير القائم على العلم والموضوعية والتجرّد كما بينا.
فتلخص، أن مجتهدات الصحابة وغيرهم، من"المأثور"الذي للرأي فيه مجال، لا تعفي من النظر في الدليل، حتى إذا ظهر قُدِّم، أيًَّا كان المفسّر أو المجتهد، وهو ما أشار إليه الإمام الشافعي الذي تمذهب الإمام الطبري نفسه بمذهبه -فقهًا وأصولًا- أصلًا عامًا في التفسير، مما أوردناه آنفًا، حيث يقول في كتابه"الرسالة"ما نصّه:"ليس لأحد دون رسول الله، أن يقول إلا بالاستدلال" (173) .
هذا، ويرى الإمام الشافعي أيضًا -على الرغم من أنه يقدُر علماء الصحابة حق قدرهم في الاجتهاد- أن الدليل مقدَّم على رأي الصحابة، وأن ليس ثمّة ما يمنع شرعًا من محاجتهم في مجتهداتهم، ليعلم مدى ما تنهض عليه من دليل، أو ما يُقنع المنطق التشريعي من استدلال، وهو ما أطلق عليه العلماء فيما بعد"قوة الشرع" (174) وروحه، بل ترى الإمام الشافعي يأنس في نفسه الكفاءة والقدرة العلمية على مغالبة مجتهدي الصحابة بالحجة والبرهان لو أنه عاصرهم، حيث يقول ما نصه:"كيف أترك الحديث لقول من لو عاصرتُه لحجَجتُه" (175) أي غلبته بالحجة والبرهان، إذا كان يصدر في رأيه عن اجتهاد.