هذا، وذهاب الإمام الطبري إلى أن الأصل عنده في التفسير، ألا يخرج عن آرائهم جميعًا - على الرغم من اختلافهم فيما بينهم في المسألة الواحدة، أو النص الواحد، اختلافًا بعيد المدى - لا تنهض به حجة، إذ لا ينشأ من عدم الخروج عن هذه الآراء المحتملة للخطأ، قرينة على الحق والصواب، لأن هذا دليل عدمي، ولا سيما إذا كانت متناقضة، يتعذر التوفيق فيما بينها- كما يقول الإمام الغزالي فيما نصه:"ولا ينبغي أن يُفهم منه (171) أنه يجب أن لا يفسَّر القرآن بالاستنباط والفكر، فإن من الآيات ما نقل فيها عن الصحابة والمفسرين، خمسة معان، وستة، وسبعة، ونعلم أن جميعها غير مسموع من النبي ( فإنها قد تكون متنافية لا تقبل الجمع"(172) أقول مثل هذه الآراء المتباينة التي تستعصي على التوفيق والتنسيق فيما بينها، مما لا تنتهض به الحجة القاطعة الملزمة، لمكان الاحتمالات، والتضارب أو التناقض فيما بينها، ومما يؤذن أيضًا بأن باب الاجتهاد في موضوعها لا يزال مفتوحًا، بخلاف ما لو صدرت هذه الآراء عن فكرة متحدة، أو معنى محدد، لكان إجماعًا بالمعنى الأصولي، وهو حجة قاطعة، ومصدر للتشريع، بل هو أقوى الإجماعات، حجة، لصدوره عن الصحابة، ولكن الإمام الطبري لم يخصص أصله بهذا النوع من الاجتهاد الجماعي القائم على الاتفاق في الرأي، بل أطلق حتى ألزم المفسر المجتهد -أيًا كان- بعدم الخروج عن آراء الصحابة، بل ومن بعدهم، من علماء التابعين وتابعيهم، ولو متخالفة أو متباينة في موضوع واحد، في الوقت الذي لم يلزموا هم أنفسهم بذلك -وهو ما لا نرى التسليم به، قاعدة عامة في المنهج العلمي لتفسير القرآن الكريم، لما عرضنا من الأدلة، فضلًا عن أن جمهور العلماء -منذ القدم على خلافه- كما أسلفنا- وما أرى هذا الموقف من الإمام الطبري، إلا صدىً أو رد فعل لما وقر في نفسه، مما كان شائعًا في عصره من إعمال الرأي في التفسير، تدعيمًا لوجهة نظر مذهبية، أو ترويجًا لفكرة