وبيان ذلك، أن الصحابة ومن بعدهم -رضوان الله عليهم- قد اتخذوا- في صدد تفسيرهم للقرآن الكريم- منهجًا تحليليًا، يتناول تحقيق مدلولات المفردات، أولًا، فكان منها"المشترك"بين معنيين، أو أكثر، مما يستلزم تعيين أحدهما مرادًا للشارع، بالاجتهاد، وترجيحه بالدليل، ومنها تعيين كون اللفظ مستعملًا في حقيقته أو مجازه، اجتهادًا، كاختلافهم في أن الجد كالأب، يحجب الإخوة من الميراث، كما يتناول ما يبدو من التعارض الظاهري بين النصوص، على نحو ما أتينا بمثال له، مما يستوجب"التنسيق"بينها بما يرفع هذا التعارض البادي، وذلك سبيله الاجتهاد بالرأي، لأنه تصرف في المعاني لا في الألفاظ أو الاختلاف في فهم معنى الآية الكريمة كَمَلًا، أو يتناول تطبيق النص القرآني نفسه، ولو كان واضحًا وقطعيًا على الوقائع المستجدة المعروضة، لاختلاف"ظروف التطبيق ومآلاته"-عامة كانت أو خاصة- لما للظروف الملابسة من أثر في تكييف الواقعة المعروضة، كما ذكرنا، فيقع نتيجة لذلك الاجتهاد، الاختلاف في التقدير، والصحابة-في الواقع- متفاوتون ملكاتٍ، وقدراتٍ، فكان الخطأ محتملًا، وهو ما أورده الإمام السرخسي في مبسوطه، إذ يقول ما نصّه:"والدليل على أن الخطأ محتمل في فتواهم، ما روي أن عمر - وهو إمام أهل الرأي- سُئل عن مسألة فأجاب، فقال رجل، هذا هو الصواب، فقال عمر:"والله ما يدري عمر أن هذا هو الصواب أو الخطأ، ولكني لم آلُ عن الحق" (169) أي لم أقصِّر في بذل الجهد في طلبه."
وهذا هو عين مسلك أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-، في الاجتهاد بالرأي، فكان يقول بعد أن ينتهي إلى ما يراه راجحًا:"فإن يكن صوابًا، فمن الله، وإن يكن خطأ، فمني، وأستغفر الله" (170) وكان هذا القول منه في صدد تفسيره للفظ"الكلالة"في القرآن الكريم، فلم يكن أحد من مجتهدي الصحابة يقطع، بأن ما انتهى إليه من رأي هو الصواب، كما رأيت.