والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: كيف نوفق بين موقف الإمام الطبري من آثار السلف على النحو الذي رأيت، واتخاذه مبدأ حرية الرأي والاجتهاد أساسًا فيما يصدر عنه من نقد - وهو مبدأ مستقر منذ العهد الأول- وبين اشتراطه شرطًا عامًا، يحظر فيه الخروج عن أقوالهم بإطلاق، ويقف محاجزًا بين المفسِّر وبين النظر في الدليل، مخالفًا في ذلك جمهور علماء المسلمين الذين يرون أن الاجتهاد بالرأي فيما فيه مجال، مما هو قائم على أصل ثابت شرعًا، هو مصدر للعلم في التفسير (154) بل أمر متعبد به شرعًا (155) ، مما يفيد أن للعنصر العقلي المتخصص في تفهم النص القرآني، في كل عصر، مدخلًا دلاليًا معتبرًا شرعًا، بمقتضى قوله تعالى: (ولو ردوه إلى الرسول، وأولي الأمر منهم، لعلِمه الذين يستنبطونه منهم (( 156) وقد أورد الإمام الطبري أثرًا في تفسير (أولي الأمر منهم(، أنهم:"أهل الفقه في الدين، والعقل"(157) أي إلى علمائهم المجتهدين، لقوله تعالى: (لتبيننه للناس ولا تكتمونه((الآية 158) . وإبداء الرأي الاجتهادي في تفسير آي القرآن، بيان له، عملًا بإطلاق النص، والأمر بالتبيين، يوجب الفرضية، وهذا معنى كون الاجتهاد بالرأي متعبَّدًا به شرعًا، وهو ما أدركه المتأخرون من بعد، كالإمام الغزالي، حيث يقول:"إن ظاهر التفسير، ليس هو منتهى الإدراك فيه" (159) ويقول أيضًا (160) :"فإن من الآيات ما نقل فيها عن الصحابة والمفسرين خمسة معان، وستةٌ وسبعةٌ، ونعلم أن جميعها غير مسموع من النبي ( فيكون ذلك مستنبطًا بحسن الفهم، وطول الفكر، ولهذا قال( لابن عباس - رضي الله عنه-: [اللهمَّ فقهه في الدين، وعلِّمه التأويل] (161) على ما سيأتي بحثه مفصلًا في موقف الإمام الطبري من"التأويل"بوجه خاص، و"الاجتهاد بالرأي"في التفسير، بوجه عام، أقول كيف يمكن التوفيق بين هذين الموقفين؟ عسيرٌ جدًا."