ولكن هذه الاستطبابات إذا صح القول لا علاقة لها، ظاهريًا، بالسماع الذي يقصده الناس للمتعة والترويح عن النفس.
ولكن الواقع بالنسبة للموسيقى العربية مغاير تمامًا.
كل من حضر منا حفلة موسيقية غربية (كونسيرت) يرى أن الناس يجلسون صامتين وهم يحبسون أنفاسهم، ويركزون انتباههم على ما يسمعون... وكأنهم لا ينصتون بقلوبهم بل بعقولهم.
والواقع أن الانفعال الإنساني تجاه الموسيقى معقد. إذ تتداخل فيه عناصر كثيرة. ولكن الغالب في الموسيقى الأوروبية (المسماة خطأ عالمية، وهي ليست عالمية إلا لأن الأوروبيين فرضوها على العالم فأسموها عالمية) ، هو العنصر العقلاني.
وإذا انتقلنا إلى الجو الشرقي وجدنا الأمر على العكس تمامًا، فالناس في انفعال وهياج، ويتلاعب الفنان المغني بهذه العواطف. فإذا كان من النوع الجيد والقديم ذي الجمهور المعتاد لأعماله وفنه، استطاع أن يتلاعب بعواطف الجمهور كما يريد تقريبًا.
وليس الأمر في رأينا عائدًا إلى كون العرب عاطفيين، أو لأنهم أقل انضباطًا وانتظامًا من غيرهم فقط.
بل إن الأمر عائد إلى طبيعة الموسيقى العربية نفسها. لأنها فيزيولوجية محضة ذات مباشرة بجسد الإنسان، لذا فهي تحرك المستمع بدءًا من الفيزيولوجيا حتى النفس.
فإذا كانت الألحان تؤثر في القلب ثم في النبض. فلنر كيف يحدث ذلك.
إن الألحان مؤلفة إما:
من نقرات منفصلة يفرقها سكون تنقرات الأوتار، وسرعتها مثلًا تتناسب مع سرعة ضربات القلب TACHYCARDIE المصادفة في الحميات مثلًا.
-أو أنها نغمات متصلة كالمزامير، وتغير نغماتها ينجسم مع تغير النبض إذ يصبح نبضًا موحيًا.
والغناء مؤلف من ثلاثة عناصر:
السبب: وهو عبارة عن نقرة يليها سكون.
وهو جزء من النبضة ولنقل نصف النبضة لأنها كما سبق أن قلنا: سكونان وحركة.
والوتد: وهو سكون بعد نقرتين.
والفاصلة: وهو سكون بعد ثلاث نقرات أي أن لدينا هنا وحدة للغناء مؤلفة من أربعة عناصر. تمامًا كالنبضة الواحدة.