فهرس الكتاب

الصفحة 3398 من 23694

من ذلك مثلًا، موقفه من تأويلات ذوي الأهواء، ممن ينتمون إلى تلك الفروق والمذاهب في قوله تعالى: (هو الذي أنزل عليك الكتاب، منه آيات محكمات هُنَّ أمُّ الكتاب، وأخَرُ متشابهات (( 151) . يقول الطبري:"وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: معناه: إرادة اللبس، والشبهات، فمعنى الكلام إذًا، فأما الذين في قلوبهم ميل عن الحق، وحيف عنه، فيتبعون من آي الكتاب ما تشابهت ألفاظه، واحتمل صرفه في وجوه التأويلات، باحتماله المعاني المختلفة، إرادة اللبس على نفسه، وعلى غيره، احتجاجًا به على باطله الذي مال إليه قلبه، دون الحق الذي أبانه الله، فأوضحه بالمحكمات من آي كتابه" (152) .

ثم يتابع الإمام الطبري قوله:"وهذه الآية وإن كانت نزلت فيمن ذكرنا أنها نزلت فيه من أهل الشرك، فإنه معني بها كل مبتدع في دين الله بدعة، فمال قلبه إليها، تأويلًا منه لبعض متشابه آي القرآن، ثم حاجَّ به أهل الحق، وعدل عن الواضح من أدلة آيه المحكمات، إرادة منه بذلك، اللبس على أهل الحق من المؤمنين، وطلبًا لعلم تأويل ما تشابه عليه من ذلك، كائنًا من كان، وأي أصناف البدعة من... أهل المجوسية، أو كان سبئيًا أو حروريًا، أو قدريًا أو جهميًا، كالذي قال (: [فإذا رأيتم الذين يجادلون به، فهم الذين عنى الله، فاحذروهم] (153) ."

ولعل هذا اللون من الاجتهاد بالرأي - تأويلًا متعسفًا فيه، أو مغرضًا، غير موضوعي، ولا علمي- هو الذي حدا بالإمام الطبري إلى التحفظ في إعمال الرأي، والتمسك بالمأثور من آراء السلف، فكان موقفه هذا، أشبه بردِّ الفعل لما كان سائدًا في عصره، من المبالغة في التفسير بالرأي، وتطويع المعنى القرآني، عن طريق تفسير المتشابه من آيه، لأغراضهم الخاصة، وتدعيمًا لبدعهم الباطلة، فكان لذلك على حذر من الاجتهاد بالرأي بوجه عام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت