فهرس الكتاب

الصفحة 3392 من 23694

هذا، وقد أشار الإمام الشاطبي، إلى أن هذا الاجتهاد بالرأي الواقع"من السلف"على نطاق واسع، هو ماض إلى يوم القيامة، سدادًا لحاجات الأمة إليه، في كل عصر، بما ينتابها من تطور مردُّه سير الحياة بالناس، باعتبار أن هذا النوع من الاجتهاد بالرأي تطبيقًا، للظروف مدخلٌ في التشكيل الفقهي للوقائع المعروضة، محل الاجتهاد، بحيث يختلف النص الملائم، أو الحكم المناسب لها، ولو استوجب ذلك إخراجها من عموم حكم النص الذي كانت مندرجة في جزئياته، أو قاعدته العامة، ليطبق عليها نص أو حكم آخر هو أدنى إلى تحقيق العدل والمصلحة، وهذا ما يطلق عليه الأصوليون اصطلاح"الاستحسان"الذي هو خطة تشريعية ينتهجها المجتهد، نظريًا أو عمليًا، لتحقيق ما هو عدل ومصلحة في ظل ظروف قائمة معينة، وأشار إليه الإمام ابن رشد في بداية المجتهد حيث يقول:"الاستحسان التفات إلى المصلحة والعدل" (139) .

وتأسيسًا، على هذا، لم يعد ثمة من وجه تشريعي يبرر ما ذهب إليه الإمام الطبري من أصل في منهج تفسيره، يقضي بأن لا يجوز للمفسِّر المجتهد -أيًَّا كان- أن يخرج عن المأثور من الصحابة، وذلك لما بينا من اختلاف الظروف، حتى إذا تماثلت، أو كان الاجتهاد قائمًا على علة ثابتة لا تتغير، لتعلقها بمصلحة إنسانية ثابتة، وجب الأخذ به بالنظر إلى دليله، لا إلى ذاته، ما لم يكن ثمة رأي آخر أقوى منه دليلًا وحجة، إذ العمل بالراجح واجب، وهذا مؤدى قولنا، أن رأي الصحابي لا يعفي من النظر في الدليل، والكل في نطاق الشريعة -كما قدمنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت