ب-هذا، وقد كان اجتهاد"السلف"في التطبيق، لا يقل خطرًا، وأثرًا وأهمية، عن الاجتهاد في التفهم والاستنباط، لما يرتبط بالتطبيق الثمرة العملية من القواعد النظرية، بما يخرجها من حيّز النظر والتجريد الذهني، إلى الواقع الماثل المحسوس، وتلك هي طبيعة التشريع نفسه، من كونه حكمًا ثابتًا نصًا أو دلالة، مغيًَّا بغاية مرسومة، وحكمة متوخاة، هي المقصودة للشارع أساسًا في تشريع النص وحكمه، ثم تطبيقًا عمليًا لهذا الحكم على موضوعه، بحيث يحقق مقصود الشارع من أصل تشريعه، في حياة المجتمع، فيصبح ذلك الحكم النظري المنوط بحكمة تشريعه، وضعًا قائمًا ذا كيان، سياسي، أو اجتماعيّ، أو اقتصادي، أو عسكري أو غير ذلك، وهذا النوع من الاجتهاد بالرأي في التطبيق، قد مارسه"السلف"الصالح على نحو عملي واسع النطاق، حكمًا، وقضاء، وإفتاء، إبان اتساع رقعة الدولة بفضل اتساع حركة الفتح، لاتصاله بمرفق"العدل"في الإسلام الذي يتمثل أقوى ما يتمثل في"المصلحة العامة"للدولة، وقد كان المجتهدون من السلف الصالح هم رجال الدولة غالبًا.
يرشدك إلى هذا، اجتهاد عمر أيضًا في مسألة"تقسيم أراضي العراق، على الفاتحين"، تطبيقًا عمليًا لقوله تعالى: (واعلموا أنما غنمتم من شيء، فإن لله خمسه، وللرسول ولذي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل..((الآية ـ 137) الآية حيث امتنع عن التقسيم الذي هو مفاد ظاهر الآية الكريمة، متبصرًا بمآل هذا التطبيق مستقبلًا، وأثره على كيان الدولة، في ظروفها القائمة آنذاك، اجتماعيًا، واقتصاديًا وسياسيًا، وعسكريًا، ترى ذلك واضحًا في تفسيره لوجهة نظره، وتدليله فقهيًا وتشريعيًا على صدقها وصوابها (138) ومشروعيتها، وظلّ يحاور فريقًا من كبار الصحابة في هذا الاجتهاد بالرأي في مجال النص تطبيقًا حتى أقنعهم بوجهة نظره في هذا الاجتهاد.