فهرس الكتاب

الصفحة 3390 من 23694

ومكمنُ الضعف فيما أصَّله الإمام الطبري، من وجوب عدم الخروج عن آرائهم جملة، هو الإطلاق، خلافًا لما عليه جمهور العلماء من الأصوليين والفقهاء الذين فصَّلوا بين ما إذا كان"المأثور"عن الصحابة"أمرًا تعبديًا"لا مجال للرأي فيه، فيكون في حكم المرفوع إلى النبي ( لأن الغالب على الظن أنهم لم يقولوه إلاَّ سماعًا منه( فلم يكن ثمرة لاجتهادهم، إذ الفرض أنه شأن تعبُّديٌ محض، كالمقدرات مما لا يعرف إلا توقيفًا، بخلاف ما إذا كان قابلًا للتعليل، لإدراك أساس تشريع حكمه، أو كما يقول الأصوليون"معقول المعنى"و"الحكمة"الظاهرة التي يمكن تبيُّنها، مما للرأي فيه مجال، فيكون أثرًا مجتهدًا فيه، سواء ما كان منه في نطاق النص، أو فيما لم يرد فيه نصٌّ أصلًا، استهداء بسمت الحق، وروح التشريع، أو كان اجتهادًا في تطبيق نص على الوقائع المعروضة، بظروفها القائمة، عامة كانت أم خاصة، ولو كان هذا النص قطعيّ الثبوت والدلالة، على النحو الذي رأينا في اجتهاد عمر -رضي الله عنه- في"سهم المؤلفة قلوبهم"من الزكاة، حيث انتهى به اجتهاده إلى إسقاطه عنهم، على الرغم من صراحة النص، وقطعية مدلوله، وذلك لتغير الظروف العامة في الدولة يومئذ(135) ، إذ أصبحت في عزة ومنعة وغُنية عن التأليف في مواقع الوجود، مراعيًا في ذلك الظروف العامة التي تكتنف الدولة، سياسية كانت أم عسكرية أم اقتصادية، أم غير ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت