نخلص من هذا، إلى أن مبدأ حرية الفكر، والاستقلال بالرأي، قد تأصل في الإسلام، في وقت مبكر جدًا، بما أرسى من مبدأ تحريم التقليد، أو الاجترار في العلم، أو الجمود على المنقول، بل لا بدَّ أن يصدر الرأي بالاستدلال، وهو ما أرساه الإمام الشافعي منذ القرن الثاني الهجري أصلًا عامًا في الاجتهاد، في رسالته الأصولية، حيث يقول ما نصه:"ليس لأحد دون رسول الله أن يقول إلا بالاستدلال" (133) .
فتلخص أن قول الصحابي، واجتهاده، فيما للرأي فيه مجال، في تفسير، أو فقه، لا يعفي من النظر في الدليل، أضف إلى ذلك، تغيُّر الظروف التي هي منشأ أدلة تكليفية أخرى قد تعارِض حكم الأصل، كما يقول الإمام الشاطبي (134) ، مما يستلزم أن يكون لكل عصر مجتهدوه، يبحثون قضاياه، ومشاكله، وحاجاته، في ضوء الكتاب والسنة، ثم إمداده بالأحكام المناسبة التي تحقق له مصالحه المشروعة، وإلا كان الانتكاس، والجمود، والتخلف، والضلال البعيد.
وهذا الذي قدمناه، من شأن الصحابي إزاء صحابي مثله، فيما إذا انتهى كل منهما إلى مجتهَد خاصٍ به، متفق عليه، وإنما الخلاف فيما إذا اجتهد أحدهما ولم يجتهد الآخر في المسألة عينها، أيكون لهذا الأخير تقليد الأول؟.
وما يجري على الصحابة في مجتهداتهم من أحكام، هو جارٍ على التابعين والعلماء من بعدهم، رضوان الله عليهم أجمعين.