فهرس الكتاب

الصفحة 3388 من 23694

الثاني: الاستقلال بالرأي، والتمسك بما يعتقد أنه عين الحق، بما هو عَسِيٌ أن يكون هو الحق عند الله تعالى، وليس بعد الحق إلا الضلال، ولا ريب أن التقليد محاكاة عمياء، والاجتزاء به أطراحٌ لما انتهى إليه اجتهاده أنه الصواب، وذلك أمارة على انهيار الشخصية العلمية، وزعزعة كيانها، وليس هذا هو الشأن في الأصالة العلمية عند أربابها.

ذلكم هو تفسير تأصيل مبدأ وجوب التزام المجتهد، بما انتهى إليه هو من مجتهَد، دون أن يكون ذلك ملزمًا لأحد غيره من المجتهدين، إلا أن يكون قد انتهى هو إلى عين ما انتهى إليه غيره بعد نظر واستدلال، فيكون حينئذ اتفاقًا في الرأي، لا تقليدًا، والفرق بينهما بيِّن (132) .

وعلى هذا، تبيَّن بجلاء -فيما أحسب- أن الإسلام إذ يُرسي هذا الأصل، فإنما يوجب حرية الفكر، تكوينًا للأصالة العلمية، في البحث والاستدلال، والاستقلال بالرأي القائم على العلم، من أهله، ويحظر التقليد أو الجمود على المنقولات، على كل مجتهد، لتمكُّنِه من الاجتهاد، وما كان إلزامه بما انتهى إليه اجتهاده إلا لكونه"عين الحق"في نظره، ولا يسوغ لعالم أن يطَّرِح ما هو الحق في معتقده، أو في غالب ظنه، لأن هذا سبيل الضلال، ولأن الإسلام يورث المجتهد بهذا الإلزام، روح الاعتداد بشخصيته العلمية، وتنميتها، ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، ولا سبيل أقوم، من البحث العلمي الحر، واجتناء ثمراته، ثم ترى الإسلام بفرض عليه نشر هذا العلم الذي توصل إليه، وإيصاله للناس، لما أن كتمانه من الكبائر التي تستوجب العذاب الأليم، وهذا من لوازم ترك فرض، أو الاستهتار بأداء واجب، ونشر العلم سبيل إلى الانتفاع منه، وتمكينٌ من العمل به، إذ هو النتيجة العملية للبحث والاجتهاد، وإلا فلن ينفع تكلمٌ بحق لا نفاذ له، على حد تعبير عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فكان هذا الأصل من أهم أصول الحضارة الإنسانية في الإسلام، كما ترى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت