ومن هنا، ترى الإمام الطبري يتخذ منهجًا آخر حيث يجعل النحو أو الإعراب خادمًا للمعنى القرآني الذي يحتكم فيه إلى العقل لا العكس، مما جعل اقتضاء النص لإعمال الرأي، مدخلًا عقليًا أساسيًا في تفسيره، ترى ذلك واضحًا في موقف الإمام من تفسير قوله تعالى: (والسابقون الأولون، من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان (( 112) فقد روي أن عمر بن الخطاب، قرأ برفع"الأنصار"ولم يُلحق"الواو"في"الذين"فقال له زيد بن ثابت (والذين اتبعوهم بإحسان(.. وترى الإمام الطبري يقف من ذلك موقفًا جازمًا غير متردد، إذ يقول: "والقراءة على خفض الأنصار، عطفًا بهم على المهاجرين، وقد ذكر عن الحسن البصري، أنه كان يقرأ"الأنصار"بالرفع عطفًا بهم على "السابقون"ثم يفصح عن رأيه بقوله:"والقراءة التي لا أستجيز غيرها، الخفض في الأنصار.. وأن السابق كان من الفريقين جميعًا من المهاجرين والأنصار.
وهكذا ترى الإمام الطبري يعتمد المعنى القرآني المقصود أولًا حيث استخلصه باجتهاده برأيه، ثم يوجه الإعراب على أساسه، فجعل الإعراب فرعًا من المعنى، وخادمًا له، جازمًا غير متردد (113) بحيث لا يستجيز سواه، فكان ذلك أصلًا علميًا من أصول منهجه في التفسير، وساعده على ذلك فضل علمه"بالقراءات"حيث ألَّف كتابًا في القراءات بلغ ثمانية عشر جزءًا"وعالجها متفرقة بالنقد والتمحيص، وفي ختام كل موضع يعقِّب الطبري بالقول المفصل المسبب (114) "وسبيل ذلك، هو الاجتهاد بالرأي على ما تقتضيه طبيعة النص القرآني، وسيأتي مزيد تفصيل في هذه الخصيصة، وموقف الإمام الطبري منها.