والقرطبي (104) والطبري - قد أضحى أمرًا متعبدًا به شرعًا، لا يجوز إهماله ولا التقاعس عن أدائه، على ما سيأتي تفصيل القول فيه.
غير أن ما اختصّ الله به نبيه ( بالبيان، لا يجوز أن يقتحمه الرأي المحض، وتُطَّرح السنن، بالاتفاق، وهذا مما أصَّله الإمام الطبري في منهج تفسيره، تحريًا لمصادر العلم التي تقوم بها الحجة، وتراه يحمل الأحاديث الواردة بالنهي عن إعمال الرأي على ما يتفق وهذا الوجه، لأن الرأي المجرّد في هذا المجال افتئات(105) على ما اختص الله به نبيه ببيانه، وهذا ضرب من"الرأي المذموم" (106) المنهي عنه شرعًا، تمييزًا له عن الاجتهاد بالرأي القائم على العلم، فهو مطلوب في مجاله، بل مفروض (107) على من توافرت فيه مؤهلات التفسير، وأدواته، وحصَّل فروعه العلمية، أقول هذا مما أصَّله الإمام الطبري أيضًا في منهجه العلمي في التفسير، وكان تمييزه بالغ الدقة، حيث يقول ما نصَّه:"والوجه الثاني - أي من وجوه تأويل القرآن الكريم - ما خصَّ الله بعلم تأويله نبيَّه( دون سائر أمته، وهو ما فيه، مما بعباده إلى علم تأويله الحاجة، فلا سبيل إلى علم ذلك، إلا ببيان الرسول( تأويله.."