فهرس الكتاب

الصفحة 3375 من 23694

الخصيصة الأولى: أنه نصٌّ سماويٌ غيبيّ، مُوحى به، في المقام الأول، فإذا كان هذا النص كليًَّا، أي ذا مفهوم عام ذهني مجرد، لا تحقق له في مواقع الوجود من حيث ذاته بل عن طريق ما صدقاته من وقائع جزئياته التي تندرج في مفهومه العام - وقدمنا أن منهج القرآن الكريم في بيانه للأحكام قد جاء على هذا النحو الكلي (95) الإجمالي غالبًا، بحيث لا يتعلق بشخص بعينه، ولا بواقعة معينة، ولا بزمان خاص، ولا مكان محدد، وهذا لا نزاع فيه - أقول: إذا كان الأمر كذلك، فإن هذا النص المجمل الكلِّي الموحى به، قد مسَّت الحاجة إلى بيان تفصيله ليمكن تنفيذه وأداؤه، والعمل به، لأن الكلِّي من حيث هو كلي مجمل لا يتعلق به تكليف (96) فتوقف على البيان والتفصيل توقفًا كليًا مطلقًا، ولا سبيل إلى ذلك إلا من قبل من أنزله وحيًا، أي من الغيب نفسه، فكان لزامًا أن يكون ذلك بالمأثور حتمًا، أما بالقرآن نفسه، وهو المنقول إلينا تواترًا، مما يفيد اليقين ثبوتًا، وهذا هو تفسير القرآن بالقرآن، وهو أعلى مراتب التفسير حجة (97) ، لأن من أنزل القرآن وحيًا متلُوًا، هو أعلم بمراده فيما أنزل، سبحانه، وهذا بالاتفاق، وأما أن يختص الله رسوله ( ببيانه، أداءً لما ناط به الله تعالى من الوظيفة الكبرى، تبليغًا وبيانًا، وتنفيذًا، لقوله تعالى: (يا أيها الرسول، بلغ ما أنزل إليك من ربك، وإن لم تفعل، فما بلغت رسالته (( 98) ، ولقوله تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر، لتبين للناس ما نُزل إليهم (( 99) وهذه الوظيفة تعلقت بقسم من آي القرآن الكريم (100) ، إذ من الثابت أن النبي ( لم يفسر القرآن كله، بل تُرك قسم كبير من القرآن الكريم قصدًا دون تفسير، تُرك للمجتهدين في كل عصر، ليدركوه باجتهادهم، على ما يقرره الإمام الشاطبي(101) وغيره، مما يدل على أن"الاجتهاد بالرأي في تفسير القرآن"بما يقوم على أصول ثابتة في الشرع، قد أضحى - كما يقول الإمام الماوردي (102) ، والشاطبي (103)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت