أما أنه يلقي ضوءًا على وجه الإعجاز في النص المتعلق به، فذلك لأن السبب أو المناسبة هو"مقتضى الحال"والنص القرآني من حيث نظمه الذي دبَّر الأمر في معناه، جاء مطابقًا لهذا المقتضى، وهذا هو وجه البلاغة فيه، ومن هنا كان لزامًا على المفسر الإحاطة بأسباب النزول وملابساته، لهذين الأمرين:
أولهما: لأنها قرائن ودوالٌّ على المعنى المراد، وعلى وجه الحكمة الباعثة (88) أيضًا، وهذا أمر بالغ الخطر والأهمية، إذ لا يُعبد الله تعالى ولا يطاع إلا بما أراد، كما ذكرنا - ولأن تحريف الكلم عن مواضعه، يأتي على معاني القرآن، فيهدرها، فيغدو مثل هذا التفسير، تقوُّلًا على الله تعالى، وتفسيرًا على غير ما أنزل الله، بما لا يستند إلى علم، أو أصل ثابت في الشرع، وهو من أكبر الكبائر، على ما سيأتي بيانه، ولأن هذا التحريف أو التقوُّل يُخرج التفسير عن وظيفته، وهو الإفصاح عن معاني التنزيل إفصاحًا مطابقًا لا مباينًا، قدر الطاقة، بحيث يكون المفسِّر في حدود المفسَّر.
هذا فضلًا عن أنَّ أسباب النزول، يمكن من خلالها - بعد استقرائها وبحثها - تبيُّن الأوضاع الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، والعقائدية التي كانت سائدة في الحياة الجاهلية، فجاء القرآن الكريم ليغيّر هذه الأوضاع، في العقائد الفاسدة، والنظم الاجتماعية الجائرة، فكان بهذا المعنى"فرقانًا (89) من الهدى، والبينات، بين حياة مغرقة في الجهالة، واللامعقولية، وبين حياة إنسانية مثلى، فكان نزول القرآن الكريم ببينات هداه، فيصلًا حاسمًا بين الحياتين، وينم عن كثير من الاتجاهات الجديدة أسبابُ النزول، وهذا مما لم يولهِ مَن صنَّف في علم أسباب النزول ما يستحق من الدرس والبحث، إذ كان يوردها هكذا فرادَى كواقعات تاريخية دون استقراء وتحليل، واستنتاج."