وعلى هذا، فإذا أعوز المأثور من السنة، أو من الصحابة مما هو في حكم المرفوع، فإن"المنطق اللغوي" (74) كاف في الدلالة، لأن دلالة النص القرآني على معناه -في الأصل- ذاتية، إذ نزل بلسان عربيّ مبين، وهذا ما أشار إليه الإمام الشاطبي حيث يقول:"لا ينبغي في الاستنباط من القرآن، الاقتصار عليه دون النظر في شرحه وبيانه، وهو"السنة"لأنه إذا كان كليًِّا، وفيه أمور كلية، فلا محيص عن النظر في بيانه، وبعد ذلك يُنظر في تفسير السلف الصالح له، إن أعوزته السنة، فإنهم أعرف به من غيرهم، وإلا فمطلق الفهم العربي لمن حصَّله، يكفي فيما أعوز من ذلك" (75) .
وبين الإمام الشاطبي، وجه حاجة القرآن الكريم إلى"المأثور"الصحيح الثابت من السنة بقوله:"تعريف القرآن بالأحكام الشرعية، أكثره كلِّي لا جزئي، وحيث جاء جزئيًا، (تفصيليًا) فمأخذه على الكلِّية. ويدل على هذا المعنى -بعد الاستقراء المعتبر- أنه محتاج إلى كثير من البيان، فإن السنة على كثرتها، وكثرة مسائلها، إنما هي بيان الكتاب (76) "إلى أن يقول:"وأنت تعلم، أن الصلاة، والزكاة، والجهاد، وأشباه ذلك، لم يتبين جميع أحكامها في القرآن، وإنما بينتها السنة، وكذلك العاديات (المعاملات) من الأنكحة، والعقود، والقصاص، والحدود، وغيرها" (77) .
وفي ضوء هذا الأصل، يفهم قول (: [ألا إنِّي أوتيت القرآن، ومثلَه معهُ] (78) يعني السنة، بيانًا وتفسيرًا وتفصيلًا.
هذا، والسنة - بما هي وحي معنى - أو على حد تعبير الأصوليين"وحي غير متلو (79) "كانت الأصل الثاني بعد الكتاب، مصدرًا علميًا للتفسير، بل وللتشريع، واجب الاتباع، والعمل بمقتضاه، لقوله تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا (( 80) ولقوله تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة، إذا قضى الله ورسوله أمرًا، أن يكون لهم الخِيرةُ من أمرهم (( 81) وذلك كله بالمأثور بداهة.