وبيان ذلك، أن منهج القرآن الكريم، في بيانه للأحكام - كما هو معلوم - قد جاء على نحو كلِّي غالبًا، ومفهوم الكلِّية هو الإجمال دون التفصيل، من بيان الكيفيات، والأسباب، والأركان، والشروط، والموانع، وما إلى ذلك، لأن هذا مما تكفلت به الس َنة، والسنَّة إنما وصلت إلينا عن طريق النقل والأثر، إذ المجمل من حيث هو مجمل لا يقع به تكليف (71) فكان القرآن الكريم في حاجة ماسّة إلى بيانه بالمأثور (72) من السنة، بل يتوقف عليه تفسيره، وتفصيله"توقفًا مطلقًا" (73) في مثل هذه الحال.
وعلى هذا، فإن"أوضاع البيان القرآني"-كما أسلفنا- أو منهجه في البيان، على نحو كليّ غالبًا، هو الذي اقتضى التفسير بالمأثور اقتضاء حتميًا، لا نُدحة عنه، حتى إذا لم يرد في بعض النصوص القرآنية ما يفسره، وجب الرجوع فيه إلى المأثور عن السلف إذا كان من التعبديات، مما ليس للرأي فيه مجال، لأنه في حكم المرفوع إلى النبي( إذ المفروض أنه من"التعبديات"التي لا تدرك فيها العلل الموجبة، أو من المقدَّرات، أو مما يتعلق بأسباب النزول، وهذه لا مجال للرأي فيها، فكان الراجح، أن الصحابي لم يقل ما أثر عنه من ذلك، إلا سماعًا لا اجتهادًا، وأما أسباب النزول، فلأنهم أعرف الناس بها، لمشاهدتهم وقائعها بحكم معاصرتهم للرسول( ومعايشتهم لظروف التنزيل.
غير أن الرأي الاجتهادي المأثور عن الصحابة، الأمر فيه مختلف، إذ الاجتهاد موطن الاحتمالات، فكان المأثور عن الصحابي من الآراء الاجتهادية، لا يُعفى المفسّر من النظر في الدليل، على ما سيأتي بيانه.