هذا، وإنما قلنا، إن هذه"المناسبات"ليس لها من أثر على شمول النص القرآني، أو إطلاقه، تخصيصًا وتقييدًا، فذلك لما قرره جمهور الأصوليين والفقهاء، من أن"العبرة في التفسير والاستنباط بعموم اللفظ لا بخصوص السبب"تحكيمًا للمنطق اللغوي، وهذا الأصل العام قد اعتمده الإمام الطبري في تفسيره، وترى ذلك واضحًا في مثل تفسيره لقوله تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتكم بين الناس أن تحكموا بالعدل (( 68) فبعد أن بيَّن اختلاف المفسرين فيمن عني بهذه الآية، وأن بعضهم قال: عني بها ولاة الأمور، ورجح هذا الرأي، تراه يأخذ بعموم هذا النص حيث يقول:"وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك عندي، قول من قال: هو خطاب من الله إلى ولاة أمور المسلمين بأداء الأمانة إلى من ولوا أمره.. وما ائتمنوا عليه من أمورهم، بالعدل بينهم.." (69) ثم ينعطف الإمام للرد على خصوصية السبب، من أنها نزلت - كما قال ابن جريج- في عثمان بن طلحة، بقوله:"فإنه جائز أن يكون نزلت فيه، وأريد به كل مؤتمن على أمانة، فدخل فيه"ولاة أمور المسلمين"وكل مؤتمن على أمانة في دين أو دنيا" (70) .
ج-منهج الإمام الطبري في اعتماده"المأثور"أصلًا عتيدًا من أصول منهجه العلمي في التفسير، هو ما تقتضيه أيضًا، أوضاع البيان القرآني نفسه، وخصائصه من الكلِّيَّة، والعموم، والإطلاق، فضلًا عن ظروف التنزيل.