ولو جاءت بأمر زائد عن القرآن" (58) وهو ما قرره الإمام الشافعي في الرسالة حيث يقول:"كل ما سنَّ رسول الله مما ليس فيه كتاب" (59) ويقول في موضع آخر من الرسالة:"وقد كانت لرسول الله، في هذا (60) ، سنن (61) ليست نصًا في القرآن، أبان رسول الله، عن الله، معنى ما أراد (62) "ذلك، لأن مرده إلى القرآن الكريم، روحًا ومقصدًا، فكان مستمدًا من مقتضى معنى النص القرآني، أو من قوة الشرع جملة، وهو المعنى الذي أشار إليه الإمام الزركشي (63) والإمام الشافعي حيث يقول:"إنه سبحانه - ألقى في رُوعه- ( سنَنََهُ(64) "وما قرره الإمام الشاطبي في موافقاته في أصول الشريعة (65) ."
ب-هذا، واقتضاء صحة التفسير، وعلميته"للمأثور"أمر تقتضيه أيضًا ظروف تنزيله منجَّمًا على مدى ثلاثة وعشرين عامًا تقريبًا، إذ احتفَّت ببعض آيه ظروف ومناسبات، يطلق عليها"أسباب النزول"مما لم يتح لغير من عاصر التنزيل مشاهدتها، والوقوف على وقائعها، كما يطلق عليها بعض من تخصص في علم أسباب النزول"القصة التشريعية" (66) وهي عنصر بالغ الأهمية من عناصر ثقافة المفسر، إذ تسدِّد خطاه، في تعيين المعنى المراد، فكانت من القرائن الدَّالة عليه، دون أن يكون لها من أثر على تكييف النص القرآني، في قصر شمول معناه، أو عموم حكمه، أو تقييد إطلاقه، وإنما هي مجرّد قرائن أو دوالَّ للاستيضاح فحسب.
ومعلوم أن هذه"المناسبات"لا يمكن الوقوف عليها بالنسبة للأجيال الخالفة من العلماء، أو تصورها، إلا عن طريق"النقول المأثورة"فكان هذا"العنصر الأثري"إذن، أساسيًا في قوام تفسير المفسّر بالنسبة إلى الآي التي احتفت بها مثل تلك الظروف والمناسبات، لما تلقي من الضوء على المراد من معنى النص، ولا سيّما إذا كان النص القرآن ذا وجوه من المعاني، أو يحتمل دلالات، فكان"سبب النزول" (67) إذن قرينة على تعيين مراد الشارع منها، أو ترجيحه على الأقل.