فهرس الكتاب

الصفحة 3363 من 23694

وعلى هذا، يبدو لنا، أن التفسير يفقد وظيفته، بل ويصبح غير جدير بهذا الاسم، إذا لم يجاوز حدود التحليل اللفظي للمفردات، أو الوجه الإعرابي النحوي، أو بيان النكات البلاغية، بل عليه النفاذ إلى ما تضمنه النص القرآني من وجوه الهداية الإلهية، وتعاليم الوحي، واستشراف مراميه البعيدة التي تمثل حِكَم التشريع التي هي بطبيعتها"عناصر عقلية"لا يمكن استخلاصها، أو تبنيها إلا بالفكر النفاذ، والبصيرة النيرة، والعقل المدرك، بالنظر إلى طبيعة هذا النص، من حيث تصرفه في وجه البيان، على نحو معجز، وبما يزخر به من المعاني العقلية والوجدانية، والحكم الغالية الرفيعة، في بينات هداه، لذا كان الرأي العلمي من أهله -وفي مجاله- مما يتوقف عليه الإفصاح الموضوعي الأمين، عن معاني القرآن الكريم، توقفًا بعيد المدى، الأمر الذي يجعل قيمة التفسير منوطة بهذا المعنى، وبهذا الأداء على نحو يقرب الهداية الإلهية إلى النفوس، ويهيمن بسمو معانيها على الأرواح، بما ثبت حقًا أنه هدى ورحمة للعالمين.

على أن هذا الوجه من التفسير بالرأي من أهله القائم على الدليل، يتعلق بقسم كبير من القرآن الكريم، وهو ما أشار إليه الإمام الزركشي في كتابه البرهان، وجعله مختصًا بالعلماء، حيث يقول ما نصه:"وكل لفظ احتمل معنيين فصاعدًا - أي غير قاطع الدلالة - فهو الذي لا يجوز لغير العلماء الاجتهاد فيه، وعلى العلماء اعتماد الشواهد والدلائل، وليس لهم أن يعتمدوا مجرد رأيهم فيه" (51) ومعظم آي القرآن الكريم ذلول ذو وجوه من المعاني، بمنطوق الحديث الذي تلونا.

وهذا يشير إلى أن التفسير بالرأي المجرد وعن غير علم، أو"التأويل المستكره"لهوى أو غرض معين، من الكبائر التي حذر الرسول ( منه بقوله: [من تكلم في القرآن، بغير علم، فليتبوأ مقعده من النار] (52) وهذا المصير يستلزم أن يكون التأويل المستكره القائم على الهوى والغرض أو الرأي المحض من الكبائر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت