من خصائص النص القرآني، في تعاليمه، ودلالاته - اللغوية والعقلية - أنه لم يجتزئ بمجرد الهداية والتوجيه، بل أضاف إلى ذلك"الحكم"والهيمنة، ليتبوأ مركز"القيادة في الحياة الإنسانية"واقعًا، بما يرتب من"النتائج العملية"على الأداء، وسائر وجوه النشاط الإنساني.
ذلك، تحقيقًا لثمرات تعاليمه، بحيث تصبح أوضاعًا قائمة في المجتمع - اجتماعيًا، وسياسيًا، واقتصاديًا، وعسكريًا، ولكافة ما تقتضيه الحياة الإنسان المثلى، من مرافق - لما قدمنا، من أن"الحكم"في المفاد القرآني مستغرق لوجوه النشاط الإنساني كله، وهذا وصل عام ينبغي أن يكون مرعيًا في التفسير، ويعتمد بالضرورة على سعة ثقافة المفسر، في كل عصر، بما يوجب عليه أن يرتفع إلى المستوى الذي رسمته خيوط التقدم الثقافي والحضاري في عصره، أبان تفسيره، ليستجيب لحاجاته كمَلًا.
وهكذا ترى، أن النص القرآني في نظمه البياني المعجز، قد جاء على نحو يحتفظ لمعناه"الموضوعية"و"ديمومة الحكم"و"استمرارية الأثر"فضلًا عمَّا أحكم من الصلة بين الروح والجسد، والحياة والدين، والدنيا والآخرة، وحدة كاملة لا تقبل الفصل في أي منها، وما يوفر لها من عناصر القناعة بمنطقية تلك التعاليم، ويفسر معقولية الغاية القصوى من الوجود الإنساني على وجه هذه الأرض، بما ينفي عنها السُّدويَّة، والعبث، واللامعقولية التي تتجلى في فكرة الفناء الأبديّ الرهيب، مصداقًا لقول تعالى: (أيحسب الإنسان أن يُترك سدى( ولقوله عز وجل: (وما خلقنا السموات والأرض، وما بينهما لاعبين، ما خلقناهما إلا بالحق(، ولقوله عزَّ شأنه: (تبارك الذي بيده الملك، وهو على كلِّ شيء قدير، الذي خلق الموت والحياة، ليبلوكم أيكم أحسن عملًا(.