على أنك لو أمعنت النظر العلمي في"قوام هذا الجمع"لتبدى لك أنه جمع بين"مثالية المبدأ، وواقعية الحياة الإنسانية"على نحو محكم، غير مستكره، لانتفاء الحرج والإعنات في الدين كما قلنا، لقوله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج (( 27) ولقوله جل ثناؤه (ولو شاء الله، لأعنتكم (( 28) لكنه سبحانه لم يشأ هذا الإعنات لخلقه، وفي هذا دلالة بينة على أنه لا ينبغي للناس أن يوقعوا أنفسهم في عنت الحياة (29) الذي لم يرد الله تعالى إيقاعهم فيه، في أحوالهم العادية، إلا أن يكون جهادًا في سبيل الله، حيث تفرض التضحيات الجسام، بكرائم الأنفس والأموال، حفاظًا على القيم والمثل، والكيان، والعزة والسيادة في الأوطان، واتقاء من سوء المصير في الدنيا والآخرة، مما يقيم الدليل البين أيضًا، على أن مهمة القرآن الكريم هو توفير أسباب تحقيق وجوده عملًا، وإمكانية تنفيذ تعاليمه، ومقاصده، في الحياة الإنسانية، واستمرار تنفيذها من خلال السعة (30) والطاقة البشرية الموكول إليها هذا التنفيذ، كيلا ينقطع بهم"العنت"عن مواصلته، وحينئذ"لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له" (31) ولهذا كان مبدأ دفع الحرج في التكليف، والترخيص في مواقع الضرورة، أو المشقة البالغة غير المعتادة، مبدأ أصيلًا قاضيًا على التشريع كله، استثناء من عموم قواعده، وعلى هذا ينزَّل تفسير النص القرآني الذي تعلق حكمه بالمعاملات وغيرها من شؤون الحياة.
هذا، وضمانًا لهذا التنفيذ، قد أعدَّ الله تعالى الإنسان إعدادًا فطريًا خاصًا، وعلى أحسن تقويم، تمكينًا له من الأداء، في يسر، وقطعًا لما عسى أن يتشبث به من حبائل المعاذير، وإقامة للحجة البالغة عليه، لقوله تعالى: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم (( 32) وقوله عز وجل: (بل الإنسان على نفسه بصيرة، ولو ألقى معاذيره (( 33) ولقوله جل شأنه: (فلله الحجة البالغة (( 34) .