ولا جرم أنه بتحقيق"التوازن"في تعاليم هذا الكتاب العزيز، حُلَّت أعظم مشكلة تواجه المجتمع البشري منذ نشوئه، بما جمع فيه مما تقتضيه الفطرة الإنسانية ذاتها، ظاهرًا وباطنًا، جسدًا وروحًا، جمعًا عمليًا محكمًا، لا إعنات فيه، ولا حرج، ولا استعصاء على التنفيذ، بما يقوم على خبرة عميقة بأسرار النفس الإنسانية، ومنازعها، لقوله تعالى: (ألا يعلم من خلق، وهو اللطيف الخبير (( 23) ، وقوله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه، ونحن أقرب إليه من حبل الوريد (( 24) ، وقوله جل ثناؤه (كتاب أحكمت آياته، ثم فصِّلت من لدن حكيم خبير (( 25) ذلك، لأن الذي فطر الفطرة، هو الذي أنزل الشرع على قدرها: (فأقم وجهك للدين حنيفًا، فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم (( 26) وتلك آية من آيات الإعجاز البيان الذي لا يتسع المقام لتفصيله، وإنما وكدنا أن نلفت الذهن إلى وجوب اتخاذه أصلًا مكينًا يرتد إليه التفسير العلمي، ولا يخالف عن مقتضاه، وإلا خرج عن مفهوم الحق القرآني، وما تقضي الدلالة فيه.