فهرس الكتاب

الصفحة 3355 من 23694

وعلى هذا، تبين أن القرآن الكريم، يرى أن"المشكلة الإنسانية الكبرى"كامنة في فقدان هذا"التوازن"بين مقتضيات المثل العليا، والقيم الإنسانية الموضوعية من جهة، وبين مطالب الحياة المادية واحتياجاتها، من جهة أخرى، ومن هنا، تراه - في تعاليمه - لا يجيز مطلقًا الإفراط أو الغلو في إحداهما، على حساب الأخرى -كما أشرنا- إغراقًا في المادة، وعبادة لها، أو رفعًا لها فوق القيم العليا، كما لا يجيز غلوًا في الجانب الروحي، وإسرافًا فيه (22) ، بحيث يفضي به إلى اعتزال الحياة الدنيا، أو ازدرائها، وما ينبغي لامرئ أن يحتقر دنياه وقد خلقت من أجله، ولا يتوهمن أحد أنه باعتزاله إياها، وانصرافه عنها أو زهده فيها، يتقرب إلى الله زلفى، بل هو - في واقع الأمر - عصيان، ومخالفة عن أمر ربه، بما يتخلى عن"رسالته"في الحياة التي تبرر استخلافه فيها، بما هي"أمانة"قد حُمِّلها، بصريح النص القرآني، وعهد إليه أداؤها، تكليفًا، فكانت مادة ابتلائه في صدق العبودية لربه طوال عمره، وهي -في الوقت نفسه- وسيلة عملية، لتحقيق عزته وسيادته فيها، صلاحًا وإصلاحًا للكون، تعميرًا أو إشادة، لقوله تعالى: (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها، وأشفقن منها، وحملها الإنسان( بل تفسر الوجود الإنساني كله على وجه الأرض، بما تنهض بمعقوليته، وتقصي الإنسان العَقول عن فكرة الفناء الأبدي الرهيب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت