هذا، والقرآن الكريم، إذ يمكِّن - بتعاليمه، وبيناته، وأصول تشريعه، ومقاصده الأساسية - أقول إذ يمكِّن بهذا كله للجانب العملي من الحياة الإنسانية، يستجيب في الوقت نفسه - لرغائب الروح في استشرافها للقيم والمثل العليا - كما قدمنا - تحقيقًا"للتوازن"بين مطالب الجسد والروح معًا، أو قل بين مطالب الحياة المادية، ومطامح الحياة الروحية، من القيم الإنسانية الخالدة، دون أن يتيح لإحداهما الحيف على الأخرى، ذلك، لأنه لا يرى في المطالب المادية مشكلة يتعثر بها سير الحياة بالناس، بما يورثها من التخلف أو الضعف أو الحرمان، لأنه -سبحانه- خلق للناس ما في الأرض جميعًا، مباحًا للانتفاع والتصرف، فكان هذا أصل الحل العام، وما عداه من المحرمات قد جاء على سبيل الاستثناء، مفصلًا محصورًا في عدد يحصى قلة، ترى هذا مدلولًا عليه، بقوله سبحانه: (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا (( 17) وقوله تعالى: (وقد فصَّل لكم ما حرم عليكم، إلا ما اضطررتم إليه (( 18) .