فهرس الكتاب

الصفحة 335 من 23694

إن جعل عالم الثقافة عالمًا بلا إرغامات كما يقول ماركوز، وهو يرى أن حرية الارتواء ضرورية لخلق حضارة جديدة تقوم على الحب وعلى ممارسة نوع من التصعيد الذاتي البعيد عن ضغوط القمع، هذا العالم المتحرر من الإرغامات التي خلقت منذ القديم حالات العوز ونقصان النضج، يقتضي فرض إرغامات جديدة لحماية نظام قائم على الحرية، فهل يعني هذا أن الثقافة لا يمكن أن تبقى حرة إذا كانت مرغمة على ممارسة نوع من الحرية، بل يبقى المثقف في حالة انسلاب وتعليق؟..

وجوابنا أن الإرغام على الحرية لا يمكن أن يكون خارجيًا وإلا فإن الحرية تفقد معناها، بل إننا إذا أردنا استعمال كلمة غير الإرغام، أو الإرغام الذاتي، فإن الالتزام الطوعي لممارسة الحرية يمكن أن يضمن استمرار الصفة الثورية في النشاط الثقافي.

ويبقى الوعي هو المنظم للحرية، والإنسان الواعي هو القادر على تحديد اتجاه حريته متنقلًا من موقف إلى آخر بمنطق ثوري ينزع عن الحرية الصفة الإرغامية محتفظًا فيه بصفاته التي تربط الحرية بالحياة والإنسان والواقع.

على أنه لا بد إلى جانب الوعي من ممارسة التخيل المبدع الذي يعطي الثقافة روحًا فنية وأدبية، لأن العقل في الثقافة يمارس في حد ذاته سلطة قمعية كانت محل اعتراض دائمًا، أما التخيل فهو إذ يحمل من الحقيقة ما لا يتناسب دائمًا مع العقل، فإنه يبقى أداة معرفة، لأنه يتضمن حرية الرفض لتحقيق التكامل بين الإنسان والطبيعة.

والتخيل هو سبيل الخلق في الثقافة، بينما الوعي هو سبيل استيعاب المعرفة، ولا بد للثقافة من أن تقوم على الوعي والتخيل، على العقل والطبيعة. وهذا ما جعلنا نطلق على الثقافة صفة الخلق لنميزها عن الثقافة السكونية، الثقافة المنفعلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت