فهرس الكتاب

الصفحة 334 من 23694

وثمة دعوة تجلت في بداية القرن الماضي في أوروبا تدعو لإحياء الماضي الرصين الرائع، الكامن في الثقافة الكلاسيكية الإغريقية الرومانية وجعله نبراسًا للثقافة الحاضرة، وقال هيغل نفسه في هذا المجال:"لا يمكن لأي هوميروس أو سوفولكس، أو لأي دانتي أو اريستد أو شكسبير أن يظهر مجددًا في عصرنا هذا، فما غنوه بهذه العظمة غنوه حتى النهاية، وما قالوه بهذه الحرية قالوه حتى النهاية".

لقد فهمت الثورة على أنها تحطيم للقيم وعلى أنها نقمة ضد الأصالة ولعلها مورست على هذا الشكل أحيانًا، فكان رد الفعل شديدًا وغاشمًا في استنكاره لمفهوم الثورة إطلاقًا. ولكن الرؤية السليمة لمفهوم العصر الحديث توضح لنا مفهوم الثورة. فلم يكن هذا العصر هدامًا متشائمًا ولم يكن منقطع الجذور. بل هو عصر تتسارع فيه المستحدثات والاختراعات بصورة شاقولية ويقف الإنسان المنتسب لهذا العصر وراء هذا التسارع كما يقف في قمته، أما الإنسان المثقف الذي يقف على أعتاب هذا العصر فإنه ما زال يفتقر إلى الهوية الثورية التي تساعده على دخول هذا العصر.

والثقافة الثورية موقف يتجاوز فيه الإنسان الظروف الرجعية والسكونية كما يتجاوز فيه جميع وسائل الكبت والقمع، لكي يساهم في الكشف عن أسرار الوجود ويجدد معنى الحياة.

ونفهم من هذا أن الثقافة الثورية إذا كانت تحديًا للقيم الثابتة وللمؤسسات القمعية، فإن هدفها من وراء ذلك ليس مجرد التحدي والتهديم، بل الخلق والتجديد. وهذا الخلق والتجديد هو جوهر الثقافة.

وإذا نظرنا إلى هذه المعاني من زاوية جديدة فإننا نرى الثقافة والثورة متلازمين، كل واحد شرط للآخر وصفة لازمة، فالثورة هي موقف ثقافي بناء، والثقافة هي ممارسة ثورية بناءة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت