أما الثورة فهي نزوع مستقبلي طموح يكشف الجهد الإنساني لبناء حضارة الإنسان وإلى تكريس هذه الحضارة وجعلها حية باستمرار. ولكن الثقافة والثورة تعرضتا إلى ظروف صعبة حرفت حقيقتهما، وكان من أخطر هذه الظروف (القمع) .
فالثقافة من حيث هي فعالية في نطاق العقل والطبيعة لم تتمتع بممارسة إنسانية كاملة. فالعقل كان في حالة استلاب في ظروف النظام الفلسفي الميتافيزيقي وفي حالة قمع في ظروف النظام اللاهوتي، وفي عصرنا الحالي يخضع العقل لظروف الإنتاج الآلي الصناعي.
أما الطبيعة فلقد كانت أمام أحد اتهامين، إما أنها مضادة للعقل كما اتهم الرومانسيون والمثاليون، وإما أنها متطرفة في الارتواء، كما تم بالنسبة لبعض المثقفين الذين عبروا عن ممارسة متطرفة للحرب والحب واللذة والتمرد.
وتعرضت الثورة أيضًا لحركة قمعية رجعية في حقيقتها وإن كانت تعلن دائمًا عن غيرتها على التراث وعن دعوتها المستمرة إلى تأصيل الثقافة. ولكن لا بد من تحليل معنى الثورة والثقافة كل على حدة فالثورة في حد ذاتها نزوع مستقبلي طموح يكثف الجهد الإنساني ويقرب المسافة إلى حضارة الإنسان. أي أن الثورة ليست تفسيرًا لحركة انفعالية تجابه حدثًا أو واقعًا سيئًا، بل هي أسلوب في الحياة يرتبط أكثر فأكثر بمعنى الإنسان المتحرك الفاعل، كما يرتبط بصورة أقوى بمفهوم الزمان المتغير باستمرار. والإنسان من حيث هو النموذج الزمني المشخص، مطالب بتكثيف وجوده، وبمعنى آخر هو مطالب بالتحرك المستمر باتجاه مستقبل أكثر بعدًا واتساعًا من الحاضر أو من الماضي، وهذا التحرك الفعال المسؤول هو شكل الثورة ومضمونها، ملتحمين متداخلين.
وهكذا فإن الثورة ليست شعارًا نظريًا منفصلًا عن الإنسان وإرادته وطموحه. بل هي الوجود الجديد للإنسان في مجتمع يتجدد باستمرار.
والحق أن الفارق بين الماضي والتراث يكاد يكون ضعيفًا جدًا، ولقد سبب هذا الاختلاط بينهما غياب الأصالة عن الثقافة.