فهرس الكتاب

الصفحة 332 من 23694

والحق أن الثقافة ليست مجرد عملة تتداول بواسطتها الخدمات الحياتية، بل هي المعارف ذاتها التي نمارس بواسطتها الوجود الواعي والحضاري، وبين هذه المعارف ووجودنا علاقة سببية متبادلة، فلا يكاد يكبر الأول حتى ينعكس حجمه على الآخر.

ولكن ثمة خللًا واضحًا في تناسب الثقافة العربية مع الوجود الحضاري العالمي. فلقد امتدت آثار التقدم العلمي والتقني والفكري المذهل خلال هذا القرن إلى جميع أنحاء العالم، وعاش الناس جميعًا على اختلاف ظروفهم في عصر المتناهيات، المتناهي في الصغر، والمتناهي في الكبر والمتناهي في المدى.

ولكن الثقافات استمرت تتنامى ضمن إطارها القومي، ولم يكن لها أن تتداخل مع غيرها من الثقافات، لأنها بذلك تفقد خصائصها وتعيش تابعًا لغيرها. ولأنه لا يوجد ما يسمى بالثقافة العالمية، بل مجموعات من الثقافات القومية تحدد مستوى العصر، فإن ازدهار ثقافة ما يعني إغناء مستوى العصر. ومع أن من المصلحين الثقافيين من رأى خطأ أن إصلاح الخلل بين الثقافة والوجود الحضاري هو في انتماء الثقافة القومية إلى الثقافة المتقدمة، فإن هذه الدعوة تتعارض جوهريًا مع طبيعة الثقافة التي يجب أن تبقى قومية تأخذ جذورها من الأصول الفكرية والفنية للأمة، وتنمو في مناخ الحياة الاجتماعية والسياسية وفي مناخ الطموحات الشعبية.

والسبيل الوحيد لجعل الثقافة القومية بمستوى العصر المتفجر، هو جعلها ثورية. وما الثقافة إلا حصيلة فعالية الإنسان في نطاق العقل والطبيعة. إنها معرفة وعلم ومكتسبات مطلقة ونسبية إلى جانب كونها تفاعلًا مستمرًا مع الطبيعة وليس الإنسان المثقف مجرد حيز لاستيعاب المعارف بل هو مفاعل لتحويل هذه المعارف إلى وسائل توسع مفهوم الإنسان عن الحياة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت