على أن المسألة التي تبدو أكثر أهمية هي مسألة الالتزام، ومع تأكيدنا لرأينا في الالتزام وتميزه عن الإلزام ومع إيماننا بالحرية الإبداعية المسؤولة فإننا نرفض القول أن الالتزام مسألة منفصلة عن مفهوم الأصالة، وأن الفنان الملتزم يمكن أن يكون أصيلًا أو هجينًا في أسلوبه. وأن الالتزام مسألة مضمون وموضوع وأما الأصالة فهي مسالة أسلوب. بل إننا نرى التحامًا صميمًا بين الأصالة والالتزام، فإذا كانت الأصالة هي تمثل التراث من أجل بناء المستقبل، فإن التزام القضايا العامة هو النسغ الذي يغذي الممارسة الفنية من عملية التمثيل حتى تحقيق الهدف.
الثقافة الخلاقة والثورة
عندما نتحدث عن ثقافة معاصرة فإن هذا يعني الحديث عن ثقافة ثورية، ذلك أن العصر الذي نعيش يقوم على تغيير متفجر في المفاهيم والظروف والتطلعات. بينما قامت العصور الخالية على مفاهيم التطور الطبيعي، والثقافة إذا كانت وسيلة الإنسان إلى فهم الحياة، فإن هذه الوسيلة لا بد أن تصبح منسجمة مع الهدف قادرة على مجاراته وفك رموزه وفتح الآفاق نحو منظوراته المختلفة. ومن المؤسف أن واقع الثقافة في البلاد العربية ما زال متخلفًا عن تطور الحياة، فمع أن جزءًا من الأرض العربية لم يصل بعد إلى مستوى الحياة في القرن العشرين إلا أنها تتجاوز كثيرًا من العقبات لكي تعوض من التخلف الذي لحقها، بيد أن الثقافة الثورية هي المناخ الصحيح السليم الذي يمكن أن يتعايش مع التقدم السريع الذي تمارسه الأمة العربية في كثير من المجالات.
ولكن الثقافة إذا كانت وسيلة، فهي تختلط بالهدف، فهي عندما تكون خلاقة تضيف إلى الحياة كسبًا جديدًا. وتغني الإنسانية بمعين إضافي طارف. فالحياة ليست مستقلة عن الإنسان، وفهم الإنسان للحياة يعني فهمه لذاته. والخلق الثقافي يعني زيادة في حجم الوجود الإنساني وزيادة في حجم الحياة.