فهرس الكتاب

الصفحة 3349 من 23694

فكان الاعتقاد سلوكيًا في المقام الأول، وليس مجرد فكرة ميتافيزيقية مجردة لا صلة لها بالواقع المعاش، فضلًا عمّا يرسي ذلك الخطاب الإلهي من أصول تنهض بالحرية المسؤولة، والمساواة الواقعية بين الشعوب في معدن الكرامة الإنسانية التي هي منشأ حقوق الإنسان، والعدلِ المطلق، باعتباره حقًا خالصًا مشتركًا بين الآدميين، وبحكم جبلتهم الآدمية، مما لا يعبث بميزاته، اختلاف دين، أو عنصر، أو لون، أو عصبية، أو طائفية، أو مذهبية، أو مودة، أو قرابة بل ولا عداء، لقوله تعالى: (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى (( 10) وفي هذا إشارة بالغة إلى"إطلاق مفهوم العدل"في القرآن العظيم، ومبلغ الحرص على إقامته وتحقيقه بربطه بالتقوى الدينية المتورعة التي جعل القرآن من مفهومها، معنى عمليًا منوطًا بإقامة العدل واقعًا بين البشر، تمكينًا للجانب العملي للحياة الإنسانية، واتخذ من"التقوى"تعبيرًا واقعيًا له، حتى يكون العدل مظهرًا عمليًا ملموسًا للتقوى، ربطًا للمعنى الاعتقادي بالواقع العملي الحيوي، في أرقى صوره، وأسمى معارضه، وهذا يؤكد المعنى الذي أسلفنا -خصيصة تفردت بها العقيدة الإسلامية- من كونها عقيدة سلوكية، وإن السلوك اعتقادي بما تنبع بواعثه منها، مما يجعل"العقائد"في القرآن الكريم، أمرًا غير مقصور على"الغيب"فحسب، بل هو متصل -كما ترى- أوثق اتصال، بالواقع المعاش، اتصال الروح بالجسد، تأثيرًا أو حكمًا، أو على حد تعبير الأصوليين، اتصال الباطن بالظاهر، بحيث لا يتصور انفصام بينهما في مواقع الوجود، نظريًا، ولا ينبغي أن يكون ذلك بينهما عمليًا، ومن هنا، كانت الأفعال من العقود وسائر التصرفات معتبرة بالنيات والقصود، صحة وفسادًا (11) ، لقوله(: [إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى] ترتيبًا للنتائج والثمرات على بواعث"التقوى"دنيويًا وقضائيًا، فضلًا عن الحكم الدياني، وتوجيهًا للطاقات الروحية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت