والأصالة ليست دعوة طارئة بل هي شرط أساسي لمشروعية العمل الفني والأدبي. العمل الفني المرتبط بروح حضارة أمة من الأمم هو العمل المشروع. ولكن عندما ينفصل الفنان عن مجتمعه وتراثه إلى تقاليد وتراث أمة أخرى، فإن هذا الانفصال الذي يسمى"الهجرة"أو يدعى"الاغتراب"، إنما يحدد الانتماء الجديد الذي يقوم به فنان ما ويحدد هويته الجديدة. ولن نقف كثيرًا عند هذه المحاولات الفردية، إذ ما يهمنا هو توجيه الانتباه إلى الهجرة الجماعية أو الانتماء الجماعي لحضارة أخرى أو لتراث آخر، إن هذا لا يمكن أن يأتي طوعًا حتى في المجتمعات الموحدة وذات القوميات المتعددة، بل هو إذعاني جاء نتيجة ظروف الإكراه والاستلاب الاستعماري.. وهذا هو وصف الواقع الثقافي في البلاد العربية كلها منذ بداية السيطرة الشعوبية والاستعمارية التي كانت في الواقع سيطرة حضارة على حضارة.
ومع ذلك فإننا نقول إن هذه السيطرة الإذعانية رافقها في العصر الحديث نوع من الرغبة الطواعية بعصرنة الحياة العربية وتطويرها على غرار ما يجري في الغرب، ولقد ظهر تيار العصرنة هذا مبررًا أمام التخلف الشديد الذي آلت إليه البلاد العربية، بينما كان الغرب يجتاز الطريق في عصر النور حتى الذروة.
إن مسألة العصرنة هذه كانت في الواقع ذات حدين، فهي من جهة طريق إلى الإصلاح والنهضة لا بد أن يستمد قوته من تجارب الآخرين الناجحة، ومن جهة أخرى هي دعوة إلى الانفصال المتزايد عن روح الحضارة العربية، وهذا ما توضح لأصحاب النزعة القومية والمثقفين المناضلين الذين وجدوا أخيرًا أن خطر هذه العصرنة قد يطغى على قواعدها. وكان انتقادنا أن المعاصرة كانفتاح على تيارات الثقافة في العالم ممكنة في مجال العلم وفي مجال الوسائل والأساليب التي تختصر المسافة إلى تحقيق الأهداف الإنسانية، ولكنها تفقد مبررها في مجال التعبير عن الهوية القومية وفي مجال بناء الشخصية العربية الأصيلة3.