فهرس الكتاب

الصفحة 327 من 23694

لقد كان مفهوم الأصالة قائمًا على العودة إلى الماضي كما كان يفعل أصحاب الدعوة إلى الكلاسية القديمة في بداية القرن الماضي من أمثال دوكانسي ودافيد في العمارة والفن، ولكن هذه الدعوة فاشلة لأن آثار الماضي عظيمة بذاتها وتبعًا لظروفها، فالرجوع إلى الماضي نكسة لا يمكن تبريرها، ذلك لأن الحاضر يبقى أفضل من الماضي لأنه إضافة إلى مكتسبات الماضي وليس نقصانًا، حتى في حالات التقهقر، فإن ثمة تجارب جديدة يستفيد المرء من معاناتها، فتكسبه معرفة جديدة لوجه آخر من وجوه الحياة، ولكن الحاضر أيضًا ليس هدفًا ولا يمكن أن يكون هدفًا، لأنه غير موجود أصلًا، فجميع المنجزات التي نحققها اليوم تضاف إلى الماضي. ولكن الهدف هو المستقبل. بمعنى أن ما نكتسبه إنما هو ذخيرة وعدة للمستقبل، إن التراث يحمل صفة الديمومة أما الماضي فيحمل صفة الانقضاء والانتهاء والتجاوز. التراث هو العطاء القومي الحضاري المتزايد الذي يتجهز به الإنسان في مجتمع من المجتمعات لخوض غمار المستقبل، وهو دائم ومتنام ولا يرتبط بمرحلة واحدة من مراحل التاريخ، فالتراث العربي لا ينتمي فقط إلى العصر الأموي أو العباسي أو الأندلسي أو العصور الأخرى، وإنما ينتمي أيضًا إلى جميع المراحل السابقة التي كان الإنسان العربي يقدم فيها عطاياه ومنجزاته بدءًا من فجر وجوده. وبهذا فهو يشكل روح الحضارة والتاريخ، لأنه حصيلة التطور الفكري والعقائدي والإبداعي، كما هو حصيلة التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت